أثار تصريح السيد رئيس الوزراء علي الزيدي بأنه تسلّم الخزينة وفيها تريليون دينار فقط، تساؤلات واسعة حول الوضع المالي الذي آلت إليه الدولة بعد سنوات من الإنفاق المرتفع والموازنات الضخمة. غير أن السؤال الأكثر دقة لا يتعلق بحجم الرصيد المتبقي في الخزينة، بل بكيفية تفسيره داخل الإطار المالي الكامل للدولة: أين الحسابات الختامية التي تشرح كيف انتهت السنة المالية، وما هي الالتزامات التي استنزفت السيولة المتاحة؟
الإشكال في النقاش المالي لا يبدأ من رقم الخزينة، بل من فصله عن السياق الذي يُنتجه. فالتعامل مع هذا الرقم بوصفه مؤشراً نهائياً على الوضع المالي يؤدي إلى قراءة ناقصة، لأن رصيد الخزينة لا يمثل سوى نتيجة نقدية لحظة زمنية، لا يمكن تفسيرها خارج الدورة المالية الكاملة للدولة.
في المالية العامة، لا يمكن قراءة أي رصيد نقدي بشكل مستقل، لأن الخزينة ليست أداة تقييم بحد ذاتها، بل انعكاس لحركة تنفيذ الموازنة. وهذه الحركة تمر بثلاث مراحل مترابطة: موازنة تُقر، تنفيذ فعلي للإنفاق والإيرادات، ثم حساب ختامي يُغلق السنة المالية ويحوّل العمليات إلى نتيجة محاسبية نهائية قابلة للتدقيق.
بغياب الحساب الختامي، تنقطع الحلقة التي تربط بين التخطيط والتنفيذ والنتيجة. وعند هذه النقطة يفقد أي رقم في الخزينة معناه التحليلي الكامل، لأنه يصبح منفصلاً عن سجل الإنفاق الفعلي والالتزامات غير المسددة والانحراف بين التخصيص والصرف.
في الأنظمة المالية المستقرة، يُعد الحساب الختامي جزءاً إلزامياً لا ينفصل عن الدورة المالية وليس وثيقة شكلية. ففي بريطانيا تُلزم الحكومة بتقديم حسابات مدققة خلال أشهر محددة مع صلاحيات رقابية قد توقف الإنفاق عند التأخير، وفي ألمانيا يُعتبر الحساب الختامي أساس الموازنة التالية ولا تُعتمد الموازنة الجديدة دون إغلاقه، بينما تمنح القوانين في كندا صلاحيات حجب التمويل عن الجهات التي تتأخر في تقديم حساباتها. وحتى في دول إقليمية مثل الأردن، يُعد تأخير الحساب الختامي إخلالاً بالالتزام الدستوري. وتكشف هذه النماذج أن الحساب الختامي ليس إجراءً إدارياً ثانوياً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار الدورة المالية وضمان مصداقية السياسة المالية.
الإشكال في الحالة العراقية لا يتعلق بغياب الحسابات الختامية واستمرار اقرار موازنات جديدة دون اكتمال اغلاق الموازنات السابقة فقط، بل بوجود منظومة كاملة عطّلت وظيفة الرقابة المالية عبر سنوات طويلة، ويمكن فهم ذلك من خلال أربع محددات مترابطة:
أولاً: لقد خلّفت عقود الحصار والصراعات ضعفاً بنيوياً في المؤسسات المالية، خاصة وزارة المالية وديوان الرقابة المالية، من حيث الكوادر والأنظمة والأرشفة المحاسبية. هذا التآكل جعل استعادة دورة مالية مكتملة عملية معقدة تتجاوز الإصلاح الإداري التقليدي.
ثانياً: تشظي الإدارة المالية تحت منطق المحاصصة
تحول الموقع المالي إلى جزء من التوازنات السياسية، ما أضعف استقلاليته الفنية. ومع تداول المناصب وفق معايير سياسية أكثر من كونها مهنية، فقدت المؤسسات المالية استمراريتها التقنية، وتراجع منطق التراكم المؤسسي لصالح التبدل السياسي المستمر.
ثالثاً: ضعف الثقافة المالية في الخطاب السياسي
تعاملت النخب السياسية مع الموازنة بوصفها أداة توزيع لا أداة إدارة، ومع الحسابات الختامية كإجراء ثانوي لا قيمة له في تقييم الأداء. هذا التحول في المفهوم جعل المالية العامة تُدار بمنطق سياسي قصير الأمد، لا بمنطق محاسبي تراكمي.
رابعاً: الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي
رغم وجود إطار قانوني ودستوري واضح ينظم الدورة المالية، فإن المشكلة تكمن في ضعف الالتزام بالتطبيق وغياب أدوات المساءلة الفعلية. ونتيجة لذلك، أصبحت المخالفة المالية ممكنة دون كلفة سياسية أو قانونية تُذكر
غياب الحسابات الختامية يعني عملياً تعطيل وظيفة الرقابة المالية للدولة، لأنه يمنع كشف الانحرافات في الإنفاق مثل تحويل الأموال بين المشاريع، أو تمويل مشاريع خارج الموازنة، أو تجاوز التخصيصات، أو ضعف تحصيل الإيرادات. كما يضعف قدرة ديوان الرقابة على أداء دوره الفعلي بسبب التعامل مع بيانات غير مكتملة أو متأخرة. ونتيجة لذلك، تفقد الموازنات تاريخها التحليلي، إذ لا يمكن تقييم كفاءة القطاعات أو قياس الهدر أو توجيه الإيرادات المستقبلية بشكل دقيق، ما يجعل التخطيط الاقتصادي قائماً على تقديرات غير مدعومة ببيانات فعلية. وفي الوقت نفسه، تتراجع الرقابة البرلمانية لتصبح شكلية، بسبب التأخير الطويل في مناقشة الحسابات الختامية، ما يحولها إلى وثائق بلا أثر رقابي حقيقي.
وعلى المستوى الدستوري، فإن هذا الخلل لا يمكن اعتباره فنياً فقط، إذ ينص الدستور العراقي على ارتباط الموازنة بالحساب الختامي كوثيقتين متكاملتين ضمن الدورة المالية للدولة. كما أن قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم (6) لسنة 2019 وضع جداول زمنية واضحة لإعداد الحسابات وإغلاقها وتدقيقها وإحالتها إلى البرلمان، غير أن التطبيق العملي يُظهر استمرار التعثر في هذه الحلقة.
في ضوء هذا التشخيص، لا يكفي الاكتفاء بإثارة سؤال رصيد الخزينة أو التعامل معه كحكم نهائي على الوضع المالي، بل المطلوب من رئيس الوزراء في الحكومة الحالية تبنّي حزمة إجراءات حاسمة تعيد ضبط الدورة المالية للدولة، وأبرزها:
1.الإسراع في إغلاق الحسابات الختامية المتأخرة, عبر تشكيل آلية طارئة بإشراف وزارة المالية وديوان الرقابة المالية، مع جدول زمني ملزم لإنجاز كل سنة مالية بشكل منفصل ونهائي.
2.نشر كشف تفصيلي موازٍ لرقم الخزينة, لا يقتصر على الرصيد الإجمالي، بل يشمل الالتزامات غير المسددة، والديون الداخلية، والأرصدة المقيدة، والودائع غير القابلة للتصرف، بهدف إظهار صافي المركز المالي الحقيقي.
3.تفكيك رقم الخزينة إلى مكوناته الفعلية, بدل تقديمه كرقم واحد مضلل في النقاش العام، بما يميز بين السيولة التشغيلية والأموال المقيدة والالتزامات القائمة.
4. ربط إقرار أي موازنة جديدة بإغلاق الحسابات الختامية السابقة, بحيث يصبح إغلاق الحسابات شرطاً مسبقاً لإقرار أي إنفاق جديد، وليس ملفاً مؤجلاً أو اختيارياً.
5.تفعيل المساءلة القانونية والرقابية, بحق الجهات المتأخرة في تقديم الحسابات، بما يشمل المسؤولية الإدارية والقانونية وفق القوانين النافذة.
الاستعانة بخبرات تدقيق دولية بشكل مؤقت عند الحاجة لإنجاز الحسابات المتراكمة ضمن سقف زمني محدد، كحل استثنائي لا بديل عنه لإعادة تشغيل الدورة المالية.
بهذه الإجراءات فقط يمكن تحويل الحسابات الختامية من ملف مؤجل إلى أداة إلزامية تعيد بناء الشفافية والثقة في إدارة المال العام.
في المحصلة، لا يمكن تقييم المالية العامة على أساس مؤشر نقدي منفرد، كما لا يمكن تعويض غياب الحسابات الختامية برقم لحظي في الخزينة. فالأول يعكس سيولة مؤقتة، والثاني يعكس نتيجة محاسبية نهائية، وبينهما تكمن الدورة المالية الكاملة التي بدونها يبقى الفهم الاقتصادي منقوصاً.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!