بين حين وآخر، يتكرر ذات المشهد في الشوارع العراقية؛ آلاف الخريجين يفترشون الأرصفة، حاملين شهاداتهم الجامعية كوثائق إدانة لسياسات تخبطية، مطالبين بفرصة عمل تحفظ كرامتهم وتنقذ سنوات من السهر والجهد ومعاناة الأهل والعائلة، لتنتهي طموحاتهم بارتطام عنيف بواقع البطالة الخانقة، وتتحول الأحلام المؤجلة إلى طاقة إحباط بلا أفق واضح.
إن هذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمات لأكثر من عقدين من الزمن شهد فيها العراق طفرة عشوائية وغير مدروسة في التعليم العالي، تمثلت في التوسع الهائل في افتتاح الجامعات الأهلية والأقسام العلمية والإنسانية دون تخطيط مسبق ومراعاة لواقع سوق العمل واحتياجاته، ليتنازل التعليم عن دوره التاريخي كرافعة للتنمية البشرية، ويتحول إلى مشروع تجاري كمي يستهدف الربح المادي على حساب الجودة النوعية.
ولا تكمن معضلة الاقتصاد العراقي في وفرة الكفاءات البشرية، بل في بنية الاقتصاد الريعي الشمولي الذي يعتمد كلياً على عوائد النفط، جاعلاً من الدولة المشغّل الوحيد والمحتكر لمصادر الرزق. هذا الاعتماد المطلق أنتج تضخماً مرعباً في الجهاز الإداري والمؤسساتي وصل حد الانفجار، مشكّلاً بيئة خصبة لما يُعرف بالبطالة المقنّعة حيث تحولت الوظيفة الحكومية من مسؤولية أخلاقية وإنتاجية وخدمية، إلى مجرد منحة شهرية أو راتب يُتقاضى بلا إنجاز حقيقي، مما أضعف كفاءة الدولة وعطل حوافز التطور الشخصي، بالتزامن مع إهمال متعمد وعجز بنيوي عن تنشيط القطاع الخاص في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة الحقيقية.
لكن المشهد لا يتوقف عند سوء التخطيط الاقتصادي، بل يمتد إلى تشوه بنيوي وأخلاقي أعمق في منظومة التوظيف نفسها، فالفرص الشحيحة المتاحة باتت محتكرة وخاضعة لسطوة النفوذ، حيث تُوزع الوظائف والمناصب والمكتسبات كإقطاعيات سياسية وفئوية للمقربين من دوائر أصحاب القرار وربائب المحاصصة! أما المواطن المستقل والنزيه والذي لا حول له ولاقوة، فيصطدم بجدار الابتزاز المالي ويُجبر على دفع مبالغ طائلة كـرشى لشراء حق طبيعي كفله له الدستور والقانون وهناك الكثير من الشواهد الموثقة التي تداولتها وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مؤكدة ماذكرته.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي المهم: كيف يمكن لبذرة فاسدة أن تنتج شجرة صالحة؟ وكيف نطلب مواطنة صالحة وولاءً مطلقا للدولة من شاب يبدأ حياته المهنية بالخضوع للابتزاز، أو اللجوء للوساطة، أو دفع الرشوة؟ إن الشاب الذي يُضطر لشراء وظيفته بالمال لن يرى فيها خدمة عامة أو واجباً وطنياً، بل سيرى فيها استثماراً شخصياً يجب استرداد أرباحه ومبالغه عبر الفساد المستقبلي، مما يعني إعادة إنتاج منظومة الفساد وتوريثها للأجيال القادمة، وتدمير مفهوم الانتماء والمواطنة في مهده.
إن الأوطان لا تُبنى بضخامة أعداد الخريجين ولا بكثرة الشهادات المعلقة على الجدران، بل بكفاءة تخطيطها وسداد رؤيتها الاقتصادي. والحل لم يعد يحتمل المسكنات أو الوعود بالتوظيف الحكومي العشوائي، بل يتطلب شجاعة سياسية لتفكيك احتكار الدولة للاقتصاد، وبناء قطاع خاص حقيقي ومحمي بتشريعات تضمن حقوق العاملين فيه، وتجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية نحو الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، بالتوازي مع مأسسة التوظيف وإخضاعه لمعايير الكفاءة والنزاهة عبر رقمنة المعاملات وكسر حلقة الفساد والمحسوبية.
ما هكذا تُورد الإبل، فالاستمرار في إنتاج جيوش من الخريجين بلا أفق عمل، مع غلق الأبواب أمام الكفاءات المستقلة وفتحها للمحاسيب والفاسدين، يعني تحويل طاقات الشباب الجبارة من قوة دفع للمستقبل إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه الجميع في أي لحظة، وقد حان الوقت للانتقال من عقلية توزيع الغنائم النفطية إلى عقلية التخطيط الاستراتيجي المستدام الذي يبني الإنسان قبل أن يبني المؤسسات.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!