RSS
2026-05-17 09:58:07

ابحث في الموقع

يُفترض أن تكون إنساناً واعياً.. لا مجرماً متخفياً..!

يُفترض أن تكون إنساناً واعياً.. لا مجرماً متخفياً..!
بقلم:حيدر عاشور

أتحدث بشأن الهجوم العدائي الفاشل الذي استهدف اتحاد الأدباء والكُتّاب العراقيين

يُفترض بالإنسان أن يكون مثقفاً واعياً، يستوعب ما يقرأ ويسمع، ويُحسن القول عند الحاجة إذا استدعى الأمر، ولا بد من تبادل الخبرة والتواصل ليتسع الأفق ويعلو البناء فيضمحل الرديء وينمو الجيد؛ سعياً إلى الإبداع. إن المسألة في النتيجة مسألة حضارة وفكر وذوق ومعرفة، وإحياء قسط من التراث والفكر في حدود الصلة والاستعانة به على التقدم والتحضر والنهوض بالأجيال نهضةً ثقافيةً؛ ليكون دعامةً للمستقبل. ثمة من يغتال الثقافة والجمال بجهلٍ يتستر خلف الدين والعقيدة، مروّعاً بناة الوطن الذين يواجهون بكلماتهم كلَّ حاقدٍ على العراق. فما الذي جناه هذا المتعنت وهو يبتكر أساليب لهدم صروحٍ ثقافية كانت تجمع عمالقة الفكر والأدب، الذين هزّوا بكلماتهم أعداء العراق وخونته؟

ينبغي على الإنسان العراقي الواعي والمتحضر ألا ينسى الظروف القاسية التي عصفت بالبلاد نتيجة الغزوات الوحشية التي شنها الحاقدون من الداخل والخارج، والتي كان آخرها محاولات تنظيم (داعش) التكفيري وهو ينظم أشخاصاً عراقيين وغير عراقيين لتجهيل العراق وشعبه. وفي المقابل، تبرز المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف كمنارة دائمة ترفد الحياة بفيض من الفكر الأصيل والعلم الراسخ، وتغرس بذور النهوض بالإنسانية. وكلما اشتد أعداء الحضارة وثقافة التجهيل في غيهم، تنبهت المرجعية إلى ذلك وبادرت إلى تحصين الوعي البشري بمنطق سليم؛ إيماناً منها بضرورة استكمال مسيرتها الحوزوية في علوم الدين واللغة العربية، وهي مآثر تاريخية لا غنى للحاضر عنها، بل يُعد الاعتماد عليها ركيزة أساسية من ركائز الدين.

إن الإنسان الواعي المدرك لأهمية هويته الوطنية، والذي صقلته التجارب الحياتية، مطالب بالتمييز بين الصديق والعدو، وبين ما ينفع وما يضر. لقد قطعت الحوزة العلمية في هذا الشأن أشواطاً بعيدة، وأثبتت حضورها في أصعب الظروف، مؤكدة أنها لا تبدأ من الفراغ، بل تستند إلى تراث أدبي وثقافي ولغوي غني بعناصر القوة والحياة، مما يجعلها قاعدة رصينة للانطلاق والتفاعل. ولم أرها يوماً تدعو إلى الهدم أو العنف أو الترويع. إن المرجعية الدينية العليا تمثل نوراً إلهياً على الأرض، ترشد التائهين وتذكرهم بضرورة الاعتماد على الذات في حب الوطن والتمسك بالعقيدة. وهنا يطرح السؤال: من أين يستقي هؤلاء القتلة فتاواهم بالقتل والتخريب؟ وأي جهة تسعى لتفكيك اتحاد الأدباء والكتاب في العراق؟ ما غاياتهم ومصالحهم؟ ومن هو مرجعهم الذي يبيح الموت المجاني للأبرياء؟ إن التوعية لا تتحقق بالدمار، بل بالإرشاد والنصيحة وقوة الكلمة. فكلما ازددت ثقافة ووعياً، تعززت أهليتك في حماية الأدب والثقافة في العراق؛ فمن يسلك غير هذا الطريق، فإما أن يكون من الجاهلين أو ممن باعوا ضمائرهم للفتك بالأدباء.

أدرك تماماً أن المراجع في المرجعية الدينية العليا يحوّلون الغرور الزائف أو الشعور بالنقص المعرفي إلى ركائز فكرية واعية، تماماً كما تُحوَّل المادة الجامدة في الكتب إلى إبداعٍ وسلوكٍ قويم ومعانٍ أخلاقية واجتماعية وإنسانية ووطنية. وهذا هو نهجهم الراسخ منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، وهو نهجٌ لا يشكك فيه إلا مغرضٌ أو جاهلٌ أو عدائي، أو من يتكبر على الحقيقة كلياً أو جزئياً. نتساءل دائماً: لماذا يُعدُّ مقر اتحاد الأدباء والكتاب في العراق هدفاً مستمراً للتفجيرات والهجمات واعتقال رواده من الأدباء؟ ولماذا لا يستهدف أصحاب فتاوى القتل والتدمير النقابات والتجمعات الثقافية الأخرى الكثيرة؟ إن المسألة تكمن أولاً في محاربة الأدباء والكتاب، وثانياً في محاولة إحداث فجوة عدائية طائفية بين الجاهل الديني والمثقف الأديب الذي يجمع في عقله أدب الدين والدنيا.

يُعدّ الأدباء والكتاب في العراق عقولاً إبداعيةً وإنسانيةً منفتحةً على الخير وخدمة الوطن، وهم شريحةٌ متعففةٌ ترفض الانصياع لغير مصلحة العراق، وتدرك تماماً ما لها وما عليها، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

نقطة ضوء مضيئة: ألف سلامة لاتحاد الأدباء والكُتَّاب العراقيين.






المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!