RSS
2026-04-02 12:52:19

ابحث في الموقع

الخيط الأخير في فتيل الحرب

الخيط الأخير في فتيل الحرب
بقلم:د. خالد قنديل

ليس القضاء على السلاح النووي ولا القدرات الصاروخية والعسكرية لإيران، وإنما هي بوضوح الإرث القديم من الإمبريالية العفنة والرغبة الاستعمارية المتجددة في توسيع النفوذ والسيطرة على مقدرات شعوب الأرض وقدراتها عسكريًّا واقتصاديًّا وجغرافيًّا، ونهب مواردها، والعمل على فتح أسواق جديدة، وفرض الهيمنة ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وفي شئون الحياة كافة.

هذا هو بوضوح جل ما تسعى إليه واشنطن وتل أبيب من خلال دونالد ترامب، الذي أجمع ديمقراطيون وجمهوريون على أنه أسوأ حاكم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، والذي صار لعبة في يد مجرم الحرب نتنياهو، مما دفع بملايين الأمريكيين للخروج ضده في تظاهرات، رفعت شعار "لا ملوك" في عدد من المناطق داخل الولايات المتحدة، محتجين على سياساته التي تتجه لإفقار الشعب الأمريكي وتخريب الاقتصاد وإفساد علاقة أمريكا بمحيطها وبالعالم، وكذلك لرفض الحرب غير المبررة على إيران، والتي يرى المحتجون أنها لخدمة الكيان الصهيوني، الذي أصبح متحكمًا بنسبة كبيرة في القرار الأمريكي من خلال اللوبي الصهيوني وعبر نتنياهو المدلل.

احتشد المحتجون في أكبر المدن الأمريكية، مثل العاصمة واشنطن وشيكاغو ونيويورك ولوس أنجلوس، معبرين عن رفضهم لتلك الحرب، عبر نحو تسعة ملايين شخص من ولايات ومدن أمريكية مختلفة في أكثر من ثلاثة آلاف موقع بالولايات الخمسين. في تلك الفعالية الكبيرة ووسط هذه الاحتجاجات والحشود التي ملأت مدينة نيويورك، قال السيناتور ساندرز عضو مجلس الشيوخ الأمريكي في كلمة معبرة أججت مزيدًا من حماس المحتجين: "لدينا أموال غير محدودة للأسلحة والقنابل والقتل، لكننا لا نملك ما يكفي من المال لإطعام أطفالنا، فلتخض جماعة إبستين حرب إبستين".

هذا الرفض للحرب، على الرغم من أنه لسان حال شعوب الأرض وأغلب حكوماتها، فلا يزال ترامب ونتنياهو وأيُّ من كان من ورائهما، يصران على إشعال مزيد من الفتائل، ويقران تارة بصمود إيران ويصرحان بانهيار قدراتها العسكرية وقواعد صواريخها التي لم تتوقف، ردًّا على العدوان غير المبرر، وقد أبدت للوسطاء الجادين استعدادها لإنهاء الأمر، وفقًا لما تراه الأعدل، ويتفق معها كثيرون، ولو من خلال المواقف، فالدول العربية سواء البعيدة حتى الآن عن خطوط النار، أو المضارة بشكل مباشر، لا تشجع أي انخراط في الحرب، وأمام الإصرار غير الواعي لمصلحة العالم، والواعي فقط لمصالحه، يبقى ترامب هاذيًا ومتضاربًا في تصريحاته، حتى إنه قالها بصراحة أمس الأول، إنه يطالب إيران بفتح مضيق "ترامب"، ثم بابتسامة بلهاء صحح الخطأ "المقصود غالبًا" بأنه يقصد مضيق هرمز، هذا المضيق الذي يمثل حاجة ماسة كبرى لوقف الحرب، بينما يظل الإصرار الإيراني قابضًا على ورقته، ومدافعًا عن مكانته بالمنطقة، ولا تزال الصواريخ تصل إلى عمق تل أبيب ومدن وأحياء رئيسية في الأراضي المحتلة، وتحدث دمارًا واسعًا، فاجأ العابثين المغرورين ترامب ونتنياهو، فخرجت أيضًا تظاهرات من الملاجئ تندد بالتورط في الحرب، وتدعو لاستمرار محاكمة رئيس وزراء الكيان، ونادى مستوطنون بالعودة إلى البلاد التي جاء آباؤهم منها، ووصلت الصواريخ إلى محطات الطاقة الكهرضوئية وإلى بنى تحتية وربما تصل إلى محطات التحلية في الأرض المحتلة، ولا تزال هذه الصواريخ تصل إلى تل أبيب وديمونة وبئر السبع ونابلس، بل إن شظايا ضخمة، بحجم الشاحنات الصغيرة تسقط من الصواريخ الإيرانية لتملأ الساحات والطرق، وتحدث إصابات وإتلافات كبيرة جدًّا، كما يُقتل أعداد ليست قليلة، وفشلت كثيرًا أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية في تعطيل الباليستي الإيراني وفرط الصوتي، وتعدهم طهران بالأكثر تطورًا وتصل إلى مزيد من العمق.

كما انفتحت جبهة جديدة من اليمن، وأطلقت جماعة الحوثي أول مشاركاتها منذ يومين، لتنضم إلى الجبهة الشمالية عبر حزب الله في لبنان، وجبهة طهران، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب على إيران في أواخر فبراير، أي بعد شهر من الحرب التي لا تزال رهان ترامب ونتنياهو، فالأول يعقد اللقاءات الصحفية بهذيان وتضارب وتأكيد سقوط إيران ونظامها، وشروط بلهاء ومجنونة لوقف الحرب، في الوقت الذي يستجدي فيه حلفاء غربيين وحلف الناتو لمساعدته في حرب برية، أكد الحرس الثوري أنه ينتظرها وحذر منها. 

ولا تزال المواقف الأوروبية متزنة في هذا السياق، وترفض هذا الانخراط الذي لا يخدم أوروبا ولا أمريكا، بقدر ما يضر العالم كله، ولصالح أشخاص ربما، بينما يصر نتنياهو بوضوح على الذهاب إلى الحرب، ويدعو ترامب لنقل القواعد الأمريكية بالمنطقة إلى منشآت عسكرية في الأراضي المحتلة، وهو المطارد عالميًّا كمجرم حرب، وداخليًّا كفاسد ومتورط في الحرب، ويواجه الآن أصوات "الحريديم" الذين خرجوا من قبل لرفض الحرب على غزة، ويحملون الآن أعلامًا إيرانية في تظاهرات خارجية، يرفضون هذه الحرب.

الموقف الآن يتجه للاشتعال، الذي يقرب من نهاية حقبة أمريكية شيطانية فاسدة ومن ورائها الكيان المحتل، أو -لا قدر الله- مستقبل غامض للمنطقة، فتل أبيب وواشنطن تصعّدان وإيران ترد، وبعد استهداف واغتيال قائد الحرس الثوري حسن حسن زاده في طهران، ومن قبله استهداف البنى التحتية الإيرانية ومحطات الطاقة وضرب المدنيين التي بدأت بمدرسة البنات في أول هذه الحرب، وصولاً لاستهداف جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا بطهران، ليهدد الحرس الثوري باستهداف جامعات إسرائيلية وأخرى أمريكية، ردًّا على هذا الهجوم، والتصعيد العسكري، وارتكاب مجازر في لبنان وإيران والعراق وفلسطين، كما تؤكد جماعة الحوثي التي انخرطت في المواجهة.

فهل ستزداد وتيرة الحرب، ومن ثم تزداد الضغوط على العالم حكومات وشعوبًا، أم تستطيع الأصوات العاقلة والقوية أن توجه الدفة إلى المسار التفاوضي الذي يقرأ المشهد جيدًا، ويستطيع أن يفرض رؤية لمصلحة الجميع في وقف الحرب؟! الساعات والأيام المقبلة ستجيب، في ظل المساعي الدبلوماسية لمصر وباكستان وتركيا، وقد تنضم مساعٍ أخرى إلى هذه الجبهة، ولا شك أنه الخلاص الأمثل للأزمة، والذي قد يهيئ لحقبة مختلفة تمامًا على غير ما يُراد للمنطقة من خرائط الفوضى.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!