RSS
2026-06-11 13:45:32

ابحث في الموقع

ما دلهم على موته إلا دابة الأرض

ما دلهم على موته إلا دابة الأرض
بقلم: د. خالد قنديل

أحيانًا كثيرة لا يصنع التاريخ أحداثًا جديدة، لكنه قد يكشف حقيقة قديمة أصر الجميع على تجاهلها أو تغافل عنها كمن سرقته سكين الواقع، ولعلنا إذا نظرنا بعين المتفحص والمتابع لتراتبية الأحداث منذ الحرب الباردة وصولًا إلى هذه اللحظة التي تشتعل فيها الصراعات حول العالم، قد ننتبه إلى أن الصورة التي ظلت قائمة في الأذهان للهيمنة الأمريكية المطلقة، بدأت تهتز وتتترنح بوضوح، بعد أن كان التداعي وعوامل التآكل تتسلل ببطء إلى هذا الكيان الذي يقارب بالكاد المائتين وخمسين عامًا، والذي ظن نفسه فوق الجميع وله الحق في كل الصلف وضرب الحائط بأي قيم ومعايير دولية أو إنسانية، حتى اصطدم بوقائع ومشاهد متتالية كانت تُعرض أمامه رويدًا، لكنها الآن تسابق الزمن كشريط البرق، وأسهم في ذلك الحروب المكلفة التي خاضتها الولايات المتحدة، وانشغالها بإغراق الشرق الأوسط في ظلمات الحياة، حتى هالها عودة الدب الروسي وتماسكه أمام تدابير الحرب الأوكرانية، وإخفاق حلف الناتو، وهالها شبحٌ مخيف وقائم متمثل في صعود النمر الآسيوي متجسدا في الصين، وتوازى معه الأزمات الاقتصادية، والانقسام الأمريكي الداخلي، بالإضافة إلى الورطة الكبرى التي دفعها إليها الكيان المحتل، الذي انكشف أمام العالم أجمع، وبقيت واشنطن كالثور الأعمى في انحيازها المتعجرف إلى هذا الكيان، ومن ثم لن تنفصل أزمات الشرق الأوسط الأخيرة عن المشهد العام والقديم، وصراع الوجود، لتكشف حدود القوة الأمريكية، فتكون كل تلك الأحداث بمثابة "دابة الأرض" الكاشفة إلى أن وهم الهيمنة لم يعد ممكنًا إلا كوهم وضلالات لن تجد سبيلها إلى التعايش والانتشار.

لقد صارت الحقائق مختلفة عما ظنه المراقبون، بأن العالم سيعمل بالقواعد ذاتها التي تستعرض إرسال البوارج الحربية، أو انعقاد القمم الشكلية للتغطية على الجرائم الإنسانية، أو إطلاق التهديدات وما إلى ذلك من كلاشيهات قديمة عفا عليها الزمن، وسط اتصال العالم اتصالا وثيقًا، وتقاطع أو تضارب المصالح، بعيدًا عن فكرة الجوار القاري والإقليمي، فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كمثال واضح، وما سبقها من اشتباكات إقليمة وأزمات وحروب، ليست بالطبع مجرد مواجهة عسكرية جديدة في سجلات الشرق المثقل بالأزمات والصراعات، لكنها على نحو ما، لحظة اكتشاف تاريخية، لرغبة الأطراف المباشرة وغير المباشرة فيما وراء الصراع، فمن كانت مصلحته أن يبقى هذا الصراع قائمًا، ومن كانت مصلحته أن يعم سلام؟ وللإجابة أو الوقوف على حقيقة المشهد من جميع الزوايا، يمكن تتبع الموقف منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين واشنطن مع الكيان المحتل ضد طهران مطلع هذا العام، وقد بدا أن الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة من المواجهات، تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت العلاقة بين الطرفين لعقود، فهذه المرة لم يعد الأمر مقتصرًا على العقوبات الاقتصادية أو الحروب بالوكالة أو الرسائل العسكرية المحدودة، بل انتقل إلى مواجهة مباشرة تركت آثارها على أسواق الطاقة العالمية، وحركة الملاحة الدولية، وحسابات القوى الإقليمية والدولية على حد سواء.

وخلال الأيام الأخيرة، عادت التوترات إلى الواجهة بقوة مع تبادل الهجمات بين الطرفين في محيط مضيق هرمز، حيث أعلنت واشنطن إسقاط طائرات مسيرة إيرانية وتنفيذ ضربات ضد مواقع رادارية ساحلية، فيما ردت طهران باستهداف مواقع وقواعد مرتبطة بالوجود الأمريكي في الخليج. وجاء ذلك في وقت تعثرت فيه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى اتفاق سياسي دائم. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على الحرب غير محسوبة العواقب التي شنتها أمريكا "ترامب" وإسرائيل "نتنياهو" على إيران، لم يزل الصراع قائمًا، ومستقبل الشرق الأوسط معلقًا في مهب الريح، ومؤخرًا قال إيجور سيتشين الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت، والتي تأسست في تسعينيات القرن الماضي، لتصبح أكبر شركة منتجة للنفط في روسيا والرائدة في مجال الطاقة، إن شركات النفط الأمريكية المستفيد الرئيسي من الحرب الإيرانية بسبب ارتفاع الأسعار، وأن إغلاق مضيق هرمز ما هو إلا محاولة لتغيير قواعد سوق الطاقة العالمية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وأن استمرار التوتر في مضيق هرمز سيقوض الطلب على النفط على المدى الطويل، بينما على الجانب الآخر أشار محسن رضائي مستشار المرشد الإيراني إلى أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود وعلى دونالد ترامب أن يكسر الجمود لأن "الكرة أصبحت في ملعبه".

إذن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بمسار الحرب فحسب، وإنما بطبيعة المصالح التي تدفع الطرفين إلى الاستمرار في حالة "اللاحرب واللاسلم"، ويوحي المشهد الحالي بأن الطرفين مدرك تماما لكلفة المواجهة الشاملة، لكنه في الوقت ذاته لا يريد تقديم تنازلات كبرى قد تُفسر داخليًا على أنها هزيمة سياسية. ومن جهة دالة ومهمة لابد من النظر إلى أن طهران هي الطرف المعتدى عليه، وأن لها مطالبَ مشروعةً في الإفراج عن أموالها المجمدة وفك الحصار عنها لتكون عنصرا فاعلا في العائلة الدولية. ولكن بالنسبة للإدارة الأمريكية، هل حقا هناك أولوية مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز والحرص على انسياب التجارة وضمان دورة الطاقة العالمية؟ هذا هو السؤال الذي يُطرح وسط اضطراب مشمول باستعراض القوة وانحيازات أمريكية ترامبية رخيصة. ويطرح السؤال كذلك بحساب المصلحة الأمريكية التي انعكست عليها الأوضاع، واستمرار الأزمة بصورة مباشرة على أسعار النفط وأسواق الطاقة، وزيادة الضغوط الاقتصادية الداخلية، خصوصًا مع حساسية الناخب الأمريكي تجاه الاقتصاد المترنح والتضخم.

وهو السؤال ذاته الذي تكشف إجابته وهم قناعة سادت لسنوات طويلة بأن واشنطن هي القوة القادرة على ضبط إيقاع المنطقة والعالم، وأن وجودها العسكري وتحالفاتها الممتدة تكفي لرسم الحدود الأمنية والسياسية للصراعات. والوهم الكاذب بأن القوى الإقليمية ذات الثقل والتأثير، سوف تتحرك داخل هامش ترسمه واشنطن. أعتقد يقينا أن المعادلة العادلة تأخذ مسارها، في مقابل تآكل أوهام الهيمنة والتحكم في المقدرات والسياسات، ولعل جميع المعطيات الكبيرة والصغيرة كانت تلك الدابة الشرهة التي أتت على العصا الأمريكية ليشهد العالم تداعيها

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!