RSS
2026-03-24 11:55:50

ابحث في الموقع

كابوس هرمز حيث ينتهي زمن النزهات

كابوس هرمز حيث ينتهي زمن النزهات
بقلم: رنا أحمد

هناك لحظات في التاريخ تتحول فيها الجغرافيا إلى كابوس. ليس كابوساً شاعرياً يصلح للقصائد، بل كابوساً عملياً ثقيلاً يزحف كل ليلة إلى مكاتب القادة. فجأة يكتشف السياسي أن خريطة العالم ليست مجرد ألوان في أطلس المدرسة بل مصيدة حقيقية. هكذا تحول مضيق هرمز إلى واحدة من تلك المصائد الصغيرة التي تستطيع أن تربك قوة عظمى.

في الظاهر يبدو الأمر بسيطاً. ممر مائي ضيق يمكن للأساطيل أن تفتحه بالقوة. لكن التاريخ يعلمنا أن الممرات الضيقة غالباً ما تكون أوسع من قدرة الإمبراطوريات على السيطرة عليها.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول أن يتصرف وفق منطق التاجر الذي يعرفه جيداً. عندما تكون الصفقة مكلفة، حاول أن تجد شركاء يدفعون جزءاً من الفاتورة. لذلك دعا القوى البحرية الغربية للمشاركة في مهمة فتح المضيق. سفن بريطانية وفرنسية وألمانية تتحرك جنباً إلى جنب مع الأسطول الأمريكي.

لكن الفكرة لم تكن مجرد تعاون عسكري بريء. فوجود تلك السفن يعني أن أي صاروخ أو لغم إيراني يصيب إحداها سيحوّل النزاع فوراً إلى حرب متعددة الأطراف. حينها لن تكون واشنطن وحدها في المواجهة، بل ستجد إيران نفسها أمام جبهة دولية أوسع وهو السيناريو الذي كان يمكن أن يقلب ميزان الحرب بسرعة.

غير أن السياسة الدولية ليست دائماً حماسية كما يتخيلها أصحاب الخطابات النارية. بعض الدول رفضت المشاركة. دول أخرى دخلت في منطقة رمادية اسمها (التفكير) وهذا النوع من التفكير الطويل هو أكثر ما يثير غضب القوى العظمى لأنه يعني ببساطة أن الحلفاء ليسوا متأكدين من أن هذه الحرب تستحق المغامرة.

وهنا بدأ الكابوس الحقيقي فخيارات واشنطن أخذت تضيق مثل المضيق نفسه. الخيار الأول هو فتح الممر بالقوة العسكرية المباشرة. لكن هذا القرار لا يشبه الضغط على زر. إنه يعني الدخول في معركة بحرية قاسية ضد الألغام البحرية والزوارق المسيرة المفخخة والهجمات غير التقليدية. معركة قد تكون مكلفة بشرياً ومادياً وكل ذلك من أجل إعلان انتصار قد يبدو غريباً المضيق فُتح، لكن النظام الذي كان الهدف من الحرب ما زال قائماً ويهدد.

الخيار الثاني أكثر إرباكاً. فإذا فشلت القوة العسكرية في فتح المضيق فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للانتقال إلى لغة التنازلات والتفاهمات. عندها لن يكتب المؤرخون عن حملة ناجحة، بل عن عملية عسكرية لم تحقق أهدافها في المدى القصير.

وفي هذه المفارقة الساخرة ربما يخرج الطرفان خاسرين بطريقة مختلفة. إيران قد تصبح دولة مثقلة بالجراح، استنزفت جزءاً من قوتها ومؤسساتها، لكنها ستتشبث بشيء واحد الادعاء بأنها صمدت أمام قوة عظمى.

أما الولايات المتحدة الدولة التي جاءت إلى المنطقة بثقة الإمبراطوريات فقد تجد نفسها أمام جرح معنوي اخر هيبة عسكرية تعرضت للاهتزاز لأنها اعتقدت أن الطريق إلى النصر سيكون أقرب إلى نزهة بحرية.

وهكذا يصبح المشهد غريباً دولة إقليمية تعلن نصراً معنوياً وهي منهكة، وقوة عظمى تحاول تفسير سبب عدم تحقيق نصر حاسم رغم تفوقها الساحق.

وفي الليل، حين ينام الرؤساء تزورهم الجغرافيا أحياناً في أحلامهم. ربما لا يظهر في تلك الأحلام صوت المدافع بل صورة ممر مائي ضيق يرفض أن ينصاع لقوانين القوة.

ولذلك قد يشعر البعض في واشنطن أن ما يحدث يلامس شيئاً لم تعشه الولايات المتحدة منذ صدمة بيرل هاربر، ليس لأن الحدثين متشابهان عسكرياً، بل لأنهما يطرحان السؤال ذاته الذي تخشاه كل قوة كبرى، ماذا يحدث عندما تكتشف الإمبراطورية فجأة أن العالم ليس خائفاً منها كما كانت تعتقد؟

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!