RSS
2026-02-28 20:47:40

ابحث في الموقع

جمهورية "المدارج المظلمة"

جمهورية "المدارج المظلمة"
بقلم: راجي سلطان الزهيري

لم يكد العراقيون يلتقطون أنفاسهم من فضيحة حتى باغتتهم أخرى "انگس". بدءاً من قضية وزير الدفاع الأسبق حازم الشعلان، إلى ملفات رجل الأعمال نور زهير وصولاً إلى ما يُتداول اليوم عن شبهات فساد في الخطوط الجوية العراقية، سلسلة أزمات تتراكم حتى بات المشهد أشبه بمطار بلا برج مراقبة، كل شيء فيه قابل للاصطدام.

طبعاً، الحديث عن سرقة بمليارات الدولارات داخل مؤسسة يفترض أنها تمثل سمعة البلد في السماء ليس رقماً عابراً، لم يكن الصدمة الأكبر، الصدمة جاءت فجر الأربعاء 25 فبراير، حين أُطفئت أنوار مدرجات مطار بغداد الدولي، فعادت رحلات دولية أدراجها لأنها لم تتمكن من الهبوط في الظلام، صورة موجعة لبلد يُفترض أنه يملك من الإمكانات ما يمنع حدوث مشهد كهذا.

الأخطر من ذلك كان إقلاع طائرة عراقية إلى بيروت وهي تعاني من عطل فني، ثم عند عودتها لا يُسمح لها بالهبوط. ركاب عاشوا لحظات رعب حقيقية، دقائق كانت أثقل من سنوات، بين السماء والأرض، بلا يقين، أرواح معلّقة بقرار إداري أو إهمال تقني، أي دولة تقبل أن يتحول مطارها إلى ساحة اختبار للأعصاب؟

كثيراً ما كُتب عن الفساد في المطارات، في بغداد وفي مطار النجف الدولي، ولا ينسى العراقيون حادثة تسلل متسول إلى طائرة قبل فترة، عابراً نقاط التفتيش جميعها، في مشهد يكشف هشاشة منظومة يفترض أنها محصنة بأعلى معايير الأمن. إذا كان متسول يستطيع اختراق الإجراءات، فكيف نطمئن إلى سلامة الأجواء؟

اليوم يُطرح عزل مدير مطار بغداد كحل، لكن عزل مدير لا يكفي ولا يحل المشكلة، المشكلة أعمق من اسم يُزال ويُستبدل بآخر، المشكلة في منظومة كاملة تدار بعقلية المحاصصة وتُثقلها هيمنة الأحزاب، وتُفرغها الولاءات من مضمونها المهني، وعليه تغيير الواجهة لا يعالج تصدع الأساسات.

المطار ليس بناية إسمنت وحديد فحسب، بل هو بطاقة تعريف الدولة أمام العالم. أول ما يراه القادم وآخر ما يودعه المغادر، لذلك حين تغرق هذه الواجهة في الفوضى، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج قاسية: دولة لا تحسن إدارة بوابتها.

إن كنتم لا تستطيعون إدارة المطارات بكفاءة واستقلالية، فصارحوا الناس، افتحوا الباب لشركات عالمية متخصصة تدير هذا القطاع وفق معايير صارمة، بعيداً عن سطوة المحاصصة وتقاسم النفوذ، فسلامة المسافرين ليست ملفاً سياسياً، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية.

كفى عبثاً بأرواح الناس، أنقذوا المطارات من هيمنة الأحزاب. أبعدوها عن المليشيات والمحاصصة. أعيدوا لها طابعها المهني الخالص. العراقيون تعبوا من انتظار إصلاح يتأجل، ومن وعود تحلق بلا وقود، اتركوا مطاراتنا تعمل كما يجب، واتركوا السماء لأهل الاختصاص.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!