RSS
2026-02-25 21:43:31

ابحث في الموقع

خور عبد الله.. ممر مائي تغرقه الخرائط وتخنقه الحسابات المسبقة

خور عبد الله.. ممر مائي تغرقه الخرائط وتخنقه الحسابات المسبقة
بقلم: صادق الازرقي

خطوة واحدة نحو الأمم المتحدة كانت كفيلة بإعادة التوتر إلى مياه "خور عبد الله"، فما تعده بغداد حقا سياديا وإجراء قانونيا بإيداع خرائط مجالاتها البحرية، تراه الكويت تجاوزا استدعى تحركا دبلوماسيا عاجلا.

 هذا التباين الحاد لا يعكس فقط تعقيدات الجغرافيا، بل يكشف عن أزمة أعمق؛ أزمة ثقة وتراكمات تقف سدا منيعا أمام أي تفاهم مشترك، لتثبت مجددا أن رسم الحدود على الورق أسهل بكثير من مسح التشنجات والحسابات المسبقة من العقول.

 وشهدت المدة الماضية، تطورا قانونيا وسياسيا عده المحللون بارزا، اذ أعلن العراق رسميا إيداع خرائط وإحداثيات مجالاته البحرية لدى الأمم المتحدة.

وتعود جذور القضية إلى عام 1993، حين صدر قرار مجلس الأمن رقم (833) لترسيم الحدود بين العراق والكويت بعد حرب الخليج الثانية.

و رسم القرار الحدود البرية والجزء الأول من الحدود البحرية وصولا إلى النقطة المعروفة بـ "الدعامة 162" في خور عبد الله، اما ما بعد الدعامة 162 فترك القرار المنطقة البحرية الواقعة بعد هذه الدعامة (باتجاه أعالي الخليج) من دون ترسيم نهائي، على أن يجري الاتفاق عليها عبر المفاوضات الثنائية بين البلدين.

وفي عام 2013، وقع الطرفان اتفاقية لتنظيم الملاحة في الخور، لكنها واجهت اعتراضات داخلية في العراق أدت إلى صدور قرار من المحكمة الاتحادية العليا في 2023 بعدم دستوريتها، مما خلق فراغا قانونيا تسعى الخطوة الأخيرة لملئه.

تتمحور الخلافات بشأن كيفية تقسيم المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة بعد الدعامة 162، اذ يطالب العراق باعتماد مبدأ "الإنصاف" ومراعاة السواحل العراقية الضيقة والمحصورة، في حين تدفع الكويت نحو اعتماد "خط الوسط" الذي قد يحرم العراق من مساحات بحرية حيوية.

 تبرز الخلافات ايضا بشأن مناطق مثل "فشت العيج" وهي مساحة من الأرض متكونة طبيعيا فوق سطح البحر عند الجزر المنخفضة وتقع في المياه الإقليمية الكويتية القريبة من حدود العراق، و"فشت القيد"؛ وهي مثل الأولى، و تعدهما الكويت مناطق سيادية تابعة لها لبناء منشآت حدودية، فيما يراها العراق مناطق تعوق مروره الملاحي وتؤثر على رسم حدوده البحرية.

 ان إيداع العراق هذه الخريطة في شباط 2026، الهدف منه تثبيت نقاط أساس قانونية رسمية أمام المجتمع الدولي، ليحفظ حقه في المياه الإقليمية والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وهي خطوة استباقية لأي مفاوضات أو تحكيم دولي مستقبلي.

ويمثل "خور عبد الله" الشريان الأساس للاقتصاد العراقي، وتكمن أهميته في انه المنفذ الوحيد والخط الملاحي الرئيس المؤدي إلى موانئ العراق الحيوية (أم قصر الشمالي والجنوبي، وميناء خور الزبير)، وان أي تضييق في هذا الممر يعني خنق حركة التجارة العراقية.

كما ان مشروعي "طريق التنمية" وميناء الفاو الكبير يرتبط نجاحهما بضمان حرية الملاحة وعدم تواجد عوائق جغرافية أو قانونية في المجالات البحرية المتاخمة.

وكذلك ان المنطقة البحرية بعد الدعامة 162 غنية بالموارد الطبيعية (نفط وغاز كامن تحت القاع)، فضلا عن كونها منطقة غنية بالثروة السمكية التي تعيل آلاف العائلات في البصرة.

وبحسب المختصين يسعى العراق لتجنب التحول إلى "دولة محبوسة جغرافيا" فعليا، فالحصول على إطلالة بحرية واسعة يمنحه عمقا استراتيجيا وأمنا قوميا.

ان العراق سعى من إيداع الخريطة الى محاولة عراقية لـ "تدويل" رؤيته الفنية والقانونية لحدوده، وضمان عدم فرض واقع حال من جانب واحد، و هي خطوة لتعزيز الموقف التفاوضي العراقي استنادا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982.

و بناء على التقارير والدراسات المتاحة، فان قرار المحكمة الاتحادية العليا عام (2023) ، عدت تداعياته نقطة تحول كبرى في مسار الأزمة، وتتلخص أهم ملامحه في بطلان اتفاقية 2013، اذ قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في "خور عبد الله" الموقعة مع الكويت.

و استندت المحكمة إلى أن التصديق على المعاهدات الدولية التي تمس السيادة يجب أن يحظى بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهو ما لم يتحقق عند التصديق على تلك الاتفاقية.

 أدى هذا القرار إلى إحياء الجدل بشأن الحدود البحرية، وعده العراق فرصة قانونية لإعادة التفاوض بما يضمن حقوقه التاريخية والملاحية، في حين عدته الكويت تراجعا عن التزامات دولية سابقة.

 ويرتبط ترسيم الحدود البحرية وجوديا بمستقبل المشاريع الاقتصادية العملاقة في العراق بضمان الممر الملاحي الملائم اذ يقع ميناء الفاو الكبير في أقصى جنوب شبه جزيرة الفاو، وان أي تضييق في القنوات الملاحية لخور عبد الله قد يعوق دخول السفن العملاقة إلى الميناء ويؤثر على الحركة التجارية، مما يفقد الميناء ميزته التنافسية.

وان طريق التنمية (القناة الجافة) الذي يربط الفاو بتركيا وأوروبا يعتمد كليا على كفاءة الميناء. النزاعات البحرية غير المحسومة قد تثير مخاوف المستثمرين الدوليين وتؤثر على انسيابية حركة التجارة العالمية عبر هذا الممر.

لذلك يسعى العراق لضمان مساحات بحرية كافية لتوسعة أرصفة الميناء مستقبلا، وهو ما يتطلب تثبيت إحداثيات بحرية تمنع تداخلها مع المشاريع أو المنشآت الكويتية المقابلة (مثل ميناء مبارك الكبير)، الذي خططت له الكويت ان يكون في ممر خور عبد الله برغم توافر الأماكن البديلة الواسعة في الجانب الآخر من جزيرة بوبيان المطل على عمق الخليج.

وتكمن أهمية إيداع الإحداثيات لدى الأمم المتحدة في شباط 2026 في التوثيق الدولي، اذ لم يعد الموقف العراقي مجرد تصريحات سياسية، بل أصبح "وثيقة رسمية" لدى الأمم المتحدة تعرف حدود سيادته البحرية.

وتلغي الوثيقة سياسة "الأمر الواقع" اذ تهدف الخطوة إلى منع أي محاولات لتغيير المعالم الجغرافية في المنطقة الضحلة (الفشت) من قبل الطرف الآخر، وهو ما قد يؤثر على طريقة رسم "خط الوسط"، و في حال فشل المفاوضات الثنائية، ستكون هذه الإحداثيات هي القاعدة القانونية التي يستند إليها العراق أمام المحكمة الدولية لقانون البحار.

 إن تحرك العراق الأخير هو محاولة لـتصحيح المسار وضمان ألا يظل العراق حبيسا خلف الدعامة 162، بما يحقق توازنا بين حقوق الجوار وبين ضرورة تأمين رئة العراق الاقتصادية الوحيدة على الخليج العربي.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!