{يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ}.
النَّاسُ صِنفان؛ صِنفٌ تُفاجِئهُم الأَحداث والتطوُّرات ورُبَّما الأَخبار والمشاهِد، فهُم يعيشونَ الدَّهشة كُلَّ حياتهِم! {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ} وصِنفٌ لا يفاجِئهُم شيء.
أُريدُ الآن أَن أَتحدَّثَ عن الصِّنفِ الأَوَّل، وهوَ الذي يعيشُ عنصُر المُفأَجاة دائماً، فهؤُلاء كذلكَ على نوعينِ في طبيعةِ ردُود أَفعالهِم إِزاء المُفاجأَة؛
فنوعٌ تُشكِّلُ لهُم المُفاجأَة [صَدمةٌ] وهم الذينَ يكونُ ردَّ فعلهِم الصُّراخ من الأَلمِ النَّفسي الذي تُسبِّبها لهُم، أَو رُبَّما تراهُم يرعدُون ويزبدُونَ من شدَّةِ الغضَبِ! ويوزِّعونَ التُّهم والإِفتراءات التي قد تصِل إِلى حدِّ الطعنِ بالشَّرفِ والتَّشكيكِ بالطَّهارةِ كما هوَ حال قَوم السيِّدة الطَّاهرة العَذراء مَريم بنت عِمران (ع) التي يحدِّثنا عنها القرآن الكريم بالتَّفاصيلِ التَّاليةِ {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا* يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}.
لقد نزلَ الخبرُ والمَشهدُ عليهِم كالصَّاعقةِ فأَخذُوا يهذُونَ بالطَّعنِ بأَبِ العَذراء وأُمِّها وتالِياً بها شخصيَّاً! والله تعالى شهِدَ لها بالطُّهرِ والإِصطفاءِ {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِوَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}.
نوعٌ آخر يوظِّف المُفاجأَة لإِنجازِ عملٍ صالحٍ يُنتِجُ نجاحاً أَو إِمتيازاً، كما يحدِّثنا عن ذلكَ القُرآن الكريم في قصَّةِ العَذراء معَ نبيِّ الله زكريَّا (ع).
تقولُ القصَّة {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ* هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}.
فهوَ (ع) إِستوعبَ [المُفاجأَة] لأَنَّهُ صدَّقَ العَذراء (ع) ولم يُشكِّك في شيءٍ، ثمَّ بنى على ذلكَ دُعاءهُ الذي استندَ إِلى المُعجِزةِ واللُّطفِ الإِلهي.
والفرقُ بينَ طبيعةِ ردِّ الفعلِ في كُلِّ مرَّةٍ كبيرٌ وعميقٌ جدّاً، فالأَوَّلُ [الصَّدمةُ] يدمِّرُ نفسيَّة صاحبهِ إِذا كانَ فرداً والمُجتمع إِذا كانَ شأناً عامّاً، أَمَّا الثَّاني فيحوِّلهُ صاحبهُ إِلى شيءٍ إِيجابيٍّ يتجاوزُ فيهِ الصَّدمة وآثارها السلبيَّة.
الأَوَّلُ سلاحهُ الأَذى الذي يبدأ باللِّسان [التُّهم والإِفتراءات والسَّب والقذف والفاحِشة] وقد ينتهي باليَدِ [العُدوان والضَّرب والمُطاردة والإِعتقال والتَّعذيب والقَتل] ولذلكَ نصحَ القُرآن الكريم الذينَ يتعرَّضونَ للأَذى من قبلِ [جماعةِ الصَّدمة] بالصَّبرِ حتى تمرُّ عاصفتهُم الهَوجاء المملوءَة حِقداً وغضباً أَجوفاً لا معنى لهُ في أَرضِ الواقعِ.
يقولُ تعالى {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
ولا نبالغ إِذا قلتُ أَنَّ [الصَّدمةَ] هي التي صنعَت حالة الإِنقلاب عند عددٍ كبيرٍ من [أَصحابِ] أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) إِثرَ القَبولِ بالتَّحكيمِ، فلقد وصلَ بهِم الحال، بسببِ ردِّ الفعل السَّلبي، إِلى أَنَّهُم يتَّهمُونَهُ بالكُفرِ!.
ولقد وصفَ (ع) الحال بقولهِ {أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ ولَا بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّه وجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّه (ص) أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! (لقَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ!) فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الأَعْقَابِ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلًا وسَيْفاً قَاطِعاً وأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً}.
ولقد سبقَ أَن حذَّر القرآن الكريم وبشدَّةٍ من مغَّبةِ [الصَّدمة] التي قد تنتهي بصاحبِها إِلى الإِنقلابِ على المبادئِ والقِيمِ والعقيدةِ وبالتَّالي ُربَّما إِلى الكُفرِ.
يقولُ تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.
فلماذا تُشكِّلُ الأَحداث، المُفاجِئة تحديداً، صدمةً عندَ البعضِ؟!.
هناكَ أَسبابٌ كثيرةٌ من أَهمِّها ما يلي؛
*الجِدالُ بما لا يفهمُونَ فيهِ شيئاً بدافعِ العنادِ والتكبُّر مثلاً، الأَمرُ الذي يدفعهُم لتكذيبِ كُلِّ نصيحةٍ وردِّ كُلِّ تحذيرٍ وعدمِ الإِصغاءِ لأَيِّ رأيٍ أَو فكرةٍ تُقلِقُ تفكيرهُم واللُّجوء إِلى الأَصوات التي تُنعِشهُم وتُخدِّرهُم لأَيِّ سببٍ كانَ!.
يقولُ تعالى {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
ولذلكَ فما أَروع أَن يصمُتَ الجاهِلَ ليخطُبَ العالِم ويسكُت المُتخلِّف ليتكلَّم الخبير حتَّى لا يعيش أَحدٌ [الصَّدمة] وآثارها ومُخلفَّاتها المُدمِّرة!.
*الظنُّ بأَنَّ الصَّوت العالي هو سرُّ النَّصر وأَنَّ التَّضليلَ والتَّجهيلَ هو سرُّ الفَوز بالحوارِ والجدالِ وأَنَّ نشرَ الفُوضى سيُساعدهُم في تضييعِ الحقائقِ سواءً كانت معلُومات أَو تحليلات أَو آراء أَو نتائِج.
وهذا هوَ الفرق الجَوهري بينَ مَن تنتهي بهِ الأُمور في نهايةِ المَطاف إِلى مُواجهةِ [الصَّدمة] والآخر الذي لا تصدمهُ المُفاجآت.
يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {وقَدْ أَرْعَدُوا وأَبْرَقُوا ومَعَ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ ولَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ ولَا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ}.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!