RSS
2026-02-26 16:06:10

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (8)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (8)
بقلم: نزار حيدر

{لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}.

  إِنَّ سببَ عدمِ الأَخذِ بالنَّصيحةِ والتَّحذيرِ في وقتِها واحدٌ مِن ثلاثةٍ:

  أ/ الغفلةُ، ليسَ عن النَّصيحةِ والتَّحذيرِ وإِنَّما عن الظُّروفِ الخَطيرةِ التي يعيشُها المرءُ والمُجتمعُ.

  فالذي لا يستمعُ إِلَّا لصدى صوتهِ أَو لا يُصغِ إِلَّا للمدَّاحينَ والمُطبِّلينَ والبوَّاقينَ يُفاجأُ عادةً بالظُّروفِ الخطيرةِ التي تُحيطُ بهِ خُطوةً فخُطوةً.

  ونموذجِ ذلكَ قَولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) للخليفةِ الثَّالثِ عندما اشتدَّت [الفِتنة] {فَلَا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالِ السِّنِّ وتَقَضِّي الْعُمُرِ}.

  أَرأَيتُم بعضَ النَّاسِ كُلَّما نصحَهُم أَحدٌ أَو حذَّرَهُم أَجابَ بالكَليشةِ المعهودةِ التي قادت كثيرينَ للتَّهلُكةِ [لا تخف فكُلُّ شيءٍ تحتَ السَّيطرةِ]! ليتبيَّنَ فيما بعدُ أَن لا شيءَ تحتَ السَّيطرةِ!.

  ب/ الحساباتُ الخاطِئة بسببِ الجهلِ مثلاً وعدمِ الإِحاطةِ بدقائقِ وتفاصيلِ الظُّرُوفِ المُحيطة أَو الجوِّ العام المُفرِط بالتَّفاؤُلِ الذي يعيشهُ المرءُ وما يُسمَّى بالتَّعبِئة الشَّعبويَّةِ.

  فالذي لا ينظرُ إِلى اللَّوحةِ كاملةً ويُركِّز كُلَّ وقتهِ بالنَّظرِ إِلى جُزءٍ واحدٍ منها سيُفاجأ بالتَّأكيدِ بالظُّروفِ الخطيرةِ.

  وهذا النَّوعُ من النَّاسِ هُم الذينَ نقولُ عنهُم بأَنَّهم لا يرَونَ أَبعدَ من أَرنبةِ أُنوفهِم أَو موطئِ أَقدامهِم، فيما يصفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) المُؤمِنُ الكيِّسُ الفطِن بقَولهِ {إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا}.

  إِنَّ كُلَّ الأُمورِ، رُبما، لها ظاهرٌ وباطنٌ {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ۗ} أَو كما توصفُ بالمُصطلحِ الحديثِ [فَوقَ الطَّاولةِ وتحتَ الطَّاولة] والعاقلُ هو الذي ينظرُ إِلى باطنِ الأُمورِ ليقِفَ عندَ الأَسرار ويكتشِفَ الخلفيَّات التي تتشكَّل مِنها الظُّروف أَمَّا الجاهلُ أَو الكسُول فيكتفي بالنَّظرِ إِلى الظَّواهرِ، ولذلكَ فهوَ لا يُعيرُ اهتماماً للنُّصحِ والتَّحذيرِ لأَنَّها عادةً تأخذُ ببواطِن الأُمور فتقرأَها فيما ينشغِلُ النَّاس بظواهرِها.

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُه إِيمَانٌ وبَاطِنُه عُدْوَانٌ وأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وآخِرُهُ نَدَامَةٌ}.

  وهذهِ هي حالُ الأُمورِ سواءٌ على مُستوى الفَرد أَو على مُستوى الجماعة [الأُمَّة].

  ولذلكَ فعندما أَعطى الإِمامُ (ع) الرَّايةَ لإِبنهِ مُحمَّد بن الحنفيَّة يَوم الجمَل أَوصاهُ قائِلاً {تَزُولُ الْجِبَالُ ولَا تَزُلْ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اللَّه جُمْجُمَتَكَ تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ وغُضَّ بَصَرَكَ واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّه سُبْحَانَه}.

  فالنَّظرُ بعُمقٍ وببعدٍ إِستراتيجيٍّ للأُمورِ يهيِّء للنَّصرِ والعكسُ هوَ الصَّحيح فالإِنشغالُ بتوافهِ الأُمورِ والتسلُّحِ بنظرةٍ ضيِّقةٍ قريبةِ المدى وسطحيَّة وأَنَّ التعثُّرَ بالخَطَواتِ تُلَبِّسُ الأُمورَ على صاحبِها!. 

  ج/ المراهنةُ على الوقتِ ففي كثيرٍ من الحالاتِ يظنُّ المرءُ أَنَّ كسبَ الوقتِ عاملٌ لتغييرِ الأَوضاعِ، ليكتشفَ فيما بعدُ أَنَّ ذلكَ سببُ هلاكهِ.

  يقُولُ تعالى عن حالاتِ التَّسويفِ التي تُدمِّرُ العبدَ والأُممِ على حدِّ سواء {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وقولهُ تعالى {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}.

  والتَّسويفُ أَحياناً يكونُ سببهُ التردُّدَ في اتِّخاذِ القرارِ الصَّحيحِ قبلَ فواتِ الأَوان، فالمُتردِّدُ مأزومٌ لا ينبغي لهُ أَن يتصدَّى لمَوقعِ المسؤُوليَّةِ لأَنَّهُ يُضيِّعُ الحقُوقَ والفُرصِ في آنٍ واحدٍ.

  ومِنَ التردُّدِ النِّفاقُ أَو ذو الوجهَينِ الذي يُريدُ أَن يكونَ وأَن لا يكُونَ في نفسِ الوقتِ، فهوَ مثلاً يُريدُ أَن يأخُذَ بالنَّصيحةِ وأَن لا يأخُذَ بها في نفسِ اللحظةِ، وتلك هي المُشكِلةُ العَويصةُ التي يُسبِّبُها التردُّد.

  يصِفُ القُرآن الكريم المُتردِّدينَ بقَولهِ {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا* مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} وقولُ تعالى {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}.

  كذلكَ فمِنَ التردُّدِ الشكُّ وعدمِ اليقينِ فتلك هي الأُخرى آفةُ المتردِّدينَ، وقد أَشارَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) إِلى ذلكَ بقَولهِ {فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ والْعَزِيمَةَ بِوَهْنِه واسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا وبِالِاغْتِرَارِ نَدَماً}.

  بل إِنَّهُ (ع) إِعتبرَ اليقينُ أَحد أَعمِدة الإِسلام الستَّة {لأَنْسُبَنَّ الإِسْلَامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي؛ الإِسْلَامُ هُوَ التَّسْلِيمُ والتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ والْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ والتَّصْدِيقُ هُوَ الإِقْرَارُ والإِقْرَارُ هُوَ الأَدَاءُ والأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ}.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!