RSS
2026-01-06 22:19:29

ابحث في الموقع

بين "إدارة الأزمات" و"حكومة الحلول".. هل تكرر العملية السياسية العراقية سيناريو الحكومات الضعيفة؟

بين "إدارة الأزمات" و"حكومة الحلول".. هل تكرر العملية السياسية العراقية سيناريو الحكومات الضعيفة؟
تدخل حوارات اختيار رئيس الحكومة العراقية الجديدة مرحلة أكثر تعقيداً، في ظل مشهد سياسي يزداد فيه التركيز على الأسماء والشخصيات، مقابل غياب شبه تام للنقاشات الجدية المتعلقة بالبرامج الحكومية والرؤى الإصلاحية المطلوبة لإدارة مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في البلاد منذ عام 2003.

وعلى الرغم من تعدد الاجتماعات داخل التحالف الحاكم في العراق، "الإطار التنسيقي"، الذي يضم غالبية القوى السياسية الشيعية التي تمثل الكتلة الكبرى في البرلمان العراقي، فإن تلك الحوارات لم تفضِ حتى الآن إلى بلورة تصور واضح حول شكل الحكومة المقبلة أو أولوياتها، بقدر ما كشفت عن صراع نفوذ بين أقطاب سياسية بارزة، يتقدمهم رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، المرشحان الأبرز للمنصب.

وبينما يتحدث قادة هذا التحالف عن قائمة تضم تسعة مرشحين للمنصب، وعن مطالبة هؤلاء بتقديم برامجهم وأولوياتهم، تؤكد مصادر مطلعة على مجمل الحوارات أن هذه البرامج لم تُطرح للنقاش العام، ولم تتحول إلى محور تنافس حقيقي بين المرشحين، ما يعزز الانطباع بأن الصراع يدور حول الأسماء، ومدى الدعم الذي تحظى به للفوز بالمنصب، مع غياب حقيقي لخطط وبرامج إدارة الدولة.

ووفقاً لمصدر سياسي قريب من كواليس اجتماعات "الإطار التنسيقي"، فإن "الاجتماعات الأخيرة ركزت على قابلية المرشح لإقناع قادة التحالف، وليس على قدرته على معالجة الأزمات الاقتصادية أو الأمنية أو الخدمية"، مضيفاً، أن "الحديث عن البرامج لا يتجاوز في الغالب المجاملات الإعلامية لا أكثر".

وأضاف المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن "دعم قوى الإطار منقسم حول المرشحين، بحسب قدرة كل منهم على كسب القوى المتنفذة، وهذا هو مبدأ التنافس الحقيقي"، مشيراً إلى أنه "لو كان التنافس في البرامج الحكومية، لحُسم الاختيار منذ فترة، خاصة أن معظم المرشحين للمنصب لا برامج لهم ولا منجزات، ولا حتى سير ذاتية تدعمهم للمنصب". وأكد أن "الحوارات تدور حتى الآن في حلقة مفرغة، فلا توجد قواعد للمفاضلة بين المرشحين عدا حجم الدعم السياسي الذي يحظى به كل منهم".

وأكد عضو "الإطار التنسيقي"، عبد الرحمن الجزائري، في تصريح صحافي، أمس السبت، أن "المعايير المتفق عليها لشخصية رئيس الوزراء، لا تنطبق على المرشحين الأبرز (نوري المالكي ومحمد شياع السوداني)، ولا على المرشحين الآخرين"، مشيراً إلى أن "الملف يحتاج إلى توافق داخل الإطار لاختيار مرشح معتدل وسطي يحظى بقبول جميع الأطراف".

ويرى مراقبون أن طرح خيار "المرشح الوسطي" في حال التوافق بين السوداني والمالكي، يعكس مأزقاً سياسياً أكثر مما يعكس حلاً، إذ غالباً ما يُلجأ إلى هذا الخيار عند انسداد أفق التفاهم بين الأقطاب المتنافسة، من دون أن يكون ذلك مرتبطاً ببرنامج حكم واضح أو رؤية إصلاحية متكاملة.

في هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدستوري في جامعة بغداد، علي الشمري، أن "العملية السياسية في العراق ما زالت تُدار بمنطق الشخصيات، لا بمنطق المؤسسات، وأن رئاسة الوزراء تحولت إلى موقع نفوذ أكثر من كونها موقعاً لتنفيذ برنامج حكومي يخضع للدراسة والتقييم"، مبيناً، أن "غياب البرامج عن واجهة التنافس مؤشر خطير، إذ إن اختيار مرشح توافقي لا يستند إلى برنامج واضح سيعيد إنتاج الأزمات ذاتها، وسيكون مجرد حل مؤقت سرعان ما يتحول إلى جزء من المشكلة، خاصة أن المنصب سيفقد أهميته ودوره، وستغلب برامج وشروط القوى المتنفذة على البرامج الحكومية التي يحتاجها البلد في هذه المرحلة الحساسة".

وشدد على أن "الدستور العراقي يمنح رئيس الوزراء صلاحيات واسعة، لكن في ظل هذه المعطيات، تكون الصلاحيات بلا اتجاه، مع غياب إطار وطني يُلزم أي رئيس حكومة بخريطة طريق محددة".

وتعزز هذه القراءة الأنباء التي تحدثت عن عقد اجتماع ثنائي بين السوداني والمالكي، بعيداً عن الأطر الموسعة داخل "الإطار التنسيقي"، وهو ما اعتبره الشمري "دليلاً على تغليب التفاهمات الشخصية والصفقات السياسية على مبدأ القرار الجماعي المستند إلى معيار البرامج الإصلاحية، وهو ما يعكس عجز الطبقة السياسية عن تقديم مشروع حكم يتضمن حلولاً للقضايا الكبرى في البلاد"، وفقاً للعربي الجديد.

وتُؤشّر تصريحات بعض قادة "الإطار التنسيقي" إلى أن الحفاظ على وحدة الإطار وتجنب الانقسام، يمثل أولوية في هذه المرحلة، حتى لو جاء ذلك على حساب النقاشات التفصيلية المتعلقة بالبرنامج. وفي ظل هذا المشهد، تبدو معطيات حوارات اختيار رئيس الحكومة العراقية الجديدة عالقة بين الأسماء وتوازنات النفوذ، ما يثير مخاوف من أن تكون الحكومة المقبلة استمراراً لحكومات إدارة الأزمات، لا حكومة حلول.

كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!