RSS
2026-01-06 04:39:53

ابحث في الموقع

اليمن والتنافس الخليجي.. حين يتحول التحالف إلى عبء استراتيجي

اليمن والتنافس الخليجي.. حين يتحول التحالف إلى عبء استراتيجي
بقلم: محمد علي الحيدري

ما يجري في اليمن لم يعد مجرد ارتدادٍ طبيعيٍ لاختلاف وجهات النظر داخل تحالفٍ عسكريٍ تشكّل تحت ضغط الضرورة، بل بات تعبيرًا صريحًا عن تصادم مشاريع نفوذ إقليمية، لم تُحسن إدارة تناقضاتها منذ اللحظة الأولى. التصعيد الأخير بين السعودية والإمارات، بما حمله من ضربات عسكرية متبادلة بالوكالة وانسحابات مفاجئة واتهامات علنية، يكشف أن التحالف العربي لم يتفكك فجأة، بل كان يتآكل ببطء تحت سطح الخطاب السياسي المنضبط.

منذ سنوات، كان واضحًا أن الرياض وأبو ظبي تنظران إلى اليمن من زاويتين مختلفتين: الأولى ترى فيه عمقًا أمنيًا وحدوديًا لا يحتمل المغامرة، والثانية تتعامل معه كساحة نفوذ بحري وجيوسياسي ممتد من خليج عدن إلى باب المندب. هذا الاختلاف لم يكن مستحيل الاحتواء لو جرى التعامل معه ضمن إطار سياسي شفاف، لكنه تُرك ليتحول إلى واقع ميداني متناقض، تُبنى فيه قوات وتُدار ولاءات وتُرسم خرائط سلطة موازية للدولة اليمنية المفترضة.

الضربة السعودية على المكلا، بغضّ النظر عن توصيفها العملياتي، تمثل لحظة كسرٍ للمسكوت عنه: انتقال الخلاف من مستوى التباين إلى مستوى الردع. وفي المقابل، فإن الانسحاب الإماراتي، مهما قُدِّم بوصفه قرارًا سياديًا مدروسًا، لا يمكن قراءته إلا كإعادة تموضع لا تلغي الحضور، بل تغيّر شكله وأدواته. هنا تحديدًا تكمن خطورة المشهد: فراغٌ أمنيٌ محتمل، تملؤه قوى محلية مسلحة، تتغذى على الانقسام الإقليمي، وتعيد إنتاج منطق “الدولة المؤجلة”.

استراتيجيًا، الخاسر الأكبر ليس طرفًا خليجيًا بعينه، بل فكرة التحالف ذاتها. فحين تفقد التحالفات قدرتها على ضبط خلافاتها الداخلية، تتحول من أداة استقرار إلى عامل هشاشة. والأخطر أن هذا التفكك يأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها أزمات فلسطين والسودان والبحر الأحمر، مع تحولات الطاقة العالمية وتراجع أدوار القوى الكبرى أو إعادة تموضعها.

أما اليمن، فهو مرة أخرى يدفع ثمن صراع لا يملك مفاتيحه. فكل تصدع بين داعميه الإقليميين يمنح الحوثيين هامش مناورة أوسع، ويُضعف أي مسار سياسي جامع، ويعمّق الانقسام الجغرافي والاجتماعي. الحديث عن “مكافحة الإرهاب” أو “حماية الأمن القومي” يفقد معناه حين يصبح المواطن اليمني هو الوقود الدائم لكل إعادة تموضع إقليمي.

الرسالة الأهم التي ينبغي التوقف عندها هي أن إدارة النفوذ بالقوة دون أفق سياسي مشترك، لا تنتج استقرارًا، بل تؤسس لصراعات مؤجلة تنفجر عند أول اختبار جدي. واليمن اليوم ليس سوى نموذج صارخ على فشل المقاربة الأمنية الصرفة، سواء ارتدت عباءة التحالف أو غطاء الشراكة.

إن لم يُعاد تعريف المصالح، وضبط الأدوات، والعودة إلى منطق الدولة اليمنية الواحدة لا الكيانات المتنافسة، فإن السؤال لن يكون “هل ينهار التحالف العربي؟” بل: كم ساحة أخرى ستدفع ثمن انهياره، وكم زمنًا سيبقى الإقليم رهينة لتحالفات تولد بلا رؤية وتنتهي بلا مسؤولية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!