RSS
2026-01-05 04:44:12

ابحث في الموقع

المصارف الحكومية بين سلطان التشريع ونزوة الإجراء.. قروض شراء السيارات أنموذجاً

المصارف الحكومية بين سلطان التشريع ونزوة الإجراء.. قروض شراء السيارات أنموذجاً
بقلم: القاضي فارس فيصل الربوعة

ليست المصارف الحكومية مؤسساتٍ تجاريةً مطلقة الإرادة، ولا دوائرَ إداريةً تحكمها الأمزجة الوظيفية، بل هي جهات عامة خاضعة قبل كل شيء لسلطان القانون، تسير حيث تسير النصوص، وتتوقف حيث يتوقف التشريع. فالأصل في الدولة القانونية أن الإجراء وليد النص، لا العكس، وأن حقوق المواطنين لا تُقيَّد إلا بسندٍ تشريعيٍ صريحٍ لا لبس فيه ولا تأويل متعسّف. 

ومن بين التطبيقات العملية التي تثير إشكالًا قانونيًا بالغ الأهمية، ما دأبت عليه بعض المصارف الحكومية عند منحها قروضًا للمواطنين لغرض شراء السيارات، إذ تشترط – للقرض– تقديم كفيل موظف لضمان سداد الدين، ثم تمضي إلى وضع حجز على السيارة لدى دائرة المرور بوصفه إجراءً ضامنًا لحقها. 

الكفالة إجراء مشروع… ولكن لا خلاف في أن اشتراط المصرف تقديم كفيل موظف يُعد إجراءً سليمًا من الناحية القانونية، إذ ينسجم مع القواعد العامة في الالتزامات والكفالة المنصوص عليها في القانون المدني العراقي، ويُعد وسيلة مشروعة لضمان الوفاء بالدين، ولا يشوبه أي عيب قانوني متى استوفت الكفالة أركانها وشروطها.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن هنا، بل يبدأ عند وضع الحجز على السيارة كإجراءٍ موازٍ للكفالة، دون سندٍ تشريعيٍ واضح.

 الحجز على السيارة .. إجراء بلا سند

 إن الحجز – بوصفه قيدًا استثنائيًا على الملكية – لا يجوز التوسع فيه أو ابتداعه خارج إطار النصوص.

فقانون المرافعات المدنية، حين نظم الحجز الاحتياطي، اشترط شروطًا جوهرية، في مقدمتها:

          •        أن يكون الدين محقق الوجود،

          •        ومستحق الأداء،

          •        وأن يصدر الحجز بقرار قضائي.

 

والحال أن القرض المصرفي – عند منحه – يكون دينًا مؤجلًا غير مستحق الأداء، مما يجعل الحجز الواقع على قيد السيارة مخالفًا لأحكام الحجز الاحتياطي، وقابلًا للطعن أمام المحاكم المدنية وطلب رفعه لافتقاده الأساس القانوني. 

هل يُعد الحجز رهنًا تأمينيًا؟

قد يُقال إن المصرف إنما يقصد من هذا الإجراء إنشاء نوعٍ من الرهن، غير أن هذا التكييف مردود قانونًا.

فالقانون المدني العراقي كان صريحًا حين نص في المادة 1290 على أن:

«لا يجوز أن يرد الرهن التأميني إلا على عقار أو حق عيني عقاري».

وبذلك يكون المشرّع قد حظر الرهن التأميني على المنقولات حظرًا قاطعًا.

والسيارة – مهما بلغت قيمتها – تبقى منقولًا، لا يصلح أن يكون محلًا لرهن تأميني.

كما أكدت المادة 1295 مدني أن الرهن التأميني يرتب للمرتهن حق التتبع على العقار المرهون، وهو ما لا يتصور تطبيقه على منقول سريع التداول، معرض للهلاك أو التلف أو الضياع، ولا يملك الاستقرار والثبات الذي يميز العقار.

ولهذا لم يكن منع الرهن التأميني على المنقول وليد فراغ، بل نتيجة منطق تشريعي عميق، أدرك فيه المشرّع خطورة تحميل المنقولات قيودًا لا تتناسب مع طبيعتها.

نتائج عملية عكسية

إن الإصرار على هذا الإجراء غير المشروع لم يحقق الغاية المرجوة للمصارف، بل أفرز آثارًا خطيرة، من بينها:

          •        تزايد الدعاوى الجزائية ضد المقترضين،

          •        انتشار ظاهرة الكفيل الوهمي عبر كتب تأييد صورية،

          •        عجز الحجز الموضوع على قيد السيارة عن حماية المصرف فعليًا من التعثر في السداد.

فالإجراء المخالف للقانون لا يولد حماية، بل ينتج نزاعًا، ولا يصنع ضمانًا، بل يفتح أبواب الطعن والإبطال.

نحو حلول قانونية رشيدة

إن معالجة هذا الخلل لا تكون بابتداع قيود جديدة، بل بالعودة إلى روح القانون ونصوصه.

ويمكن للمصارف الحكومية أن:

          •        تعتمد كفالة عقارية منسجمة مع أحكام الرهن التأميني،

          •        أو تكتفي بـ كفيل موظف مع تشديد إجراءات التحقق،

          •        وذلك من خلال كتاب تأييد رسمي صادر من الدائرة الرصينة التي ينتسب إليها الكفيل، بما يغلق الباب أمام التلاعب والضمانات الصورية.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!