أيها الخطباء الحسينيون الكرام، يا من ائتمنكم المحبّون على قلوبهم، وجاؤوا مجالسكم يلتمسون الهداية ويواسون أهل البيت (عليهم السّلام) بمصابهم: إنّ من أسمى غايات المنبر الحسيني توضيح العِبَر وإثارة العَبَرات؛ لتستنير العقول بدروسه، وتستجيب القلوب للفاجعة. واجتماع هاتين الثمرتين يحتاج إلى لغة واضحة، تُعين المستمع على فهم الموقف ومعايشة المصاب.
ومن هنا تأتي ملاحظة مهمّة بشأن بعض الأبوذيات القديمة التي تتضمن ألفاظاً من الحسچة العراقية التي لم تعد مألوفة لدى الكثير من الحاضرين، وخصوصاً الشباب. فالأبوذية فنّ عريق، تختزن صوره حرارة الوجدان وصدق المواساة، لكنّ تأثيره يرتبط بفهم ألفاظه وإدراك معانيه. وما يهزّ مشاعر جيل يعرف لغته قد يستغلق على جيل آخر، فيحتاج إلى تقريب وبيان.
ولنتأمل هذه الأبوذية مثالاً عمليّاً:
گلبي طاح من بعدك وناراك
منّك طاحن اچفوفك وناراك
وبيك الغضب هالبيّن وناراك
وأحسّ بغيرتك تسعر عليّه
حين يسمع الشاب لفظة «وناراك» تتكرر في الأشطر الثلاثة الأولى، وهو لا يعرف معانيها المقصودة، فينصرف ذهنه إلى محاولة حلّها: ماذا تعني في الشطر الأول؟ وكيف يتغيّر معناها في الثاني والثالث؟ وما صلتها بالصورة التي يريد الشاعر إيصالها؟
وفي أثناء هذا البحث الذهني يمضي الخطيب في النعي، وينتقل إلى مشهد آخر، بينما يبقى المستمع عند اللفظة الأولى. وهكذا تفوته معانٍ مفجعة، وتنقطع صلته بتسلسل المصاب؛ ويفقد بعضاً من الانشداد مع الفجيعة، لأنّ انتباهه موزّع بين فكّ الجناس ومتابعة المأساة. وقد تنتهي الأبوذية ولم يصل إليه من حرارتها إلا اللحن، فيما بقي المعنى وراء حاجز الغموض.
أيها الأعزاء، إنّ جمال الصنعة الشعرية يبلغ غايته حين يخدم المعنى ويوصله. أمّا حين يحتاج السامع إلى وقت طويل لتفسير اللفظة، فإنّ لحظة التأثر قد تضيع قبل اكتمال الفهم. والنعي موقف وجداني متتابع، تتساندُ صورُهُ لتوقظ الحزن، ويضعف أثره كلما اضطر المستمع إلى التوقف عند كلمة مبهمة.
لذلك نرجو منكم مراجعة مختارات النعي في ضوء جمهور المجلس: أعمارهم، وبيئاتهم، ومدى معرفتهم باللهجة. اختاروا أبوذيات واضحة الألفاظ، قريبة الصور، صادقة العاطفة. وإذا وجدتم في نصّ قديم معنى نفيساً، فوضّحوا عبارته الغامضة بإيجاز قبل الدخول في ذروة النعي، حتى يتفرّغ السامع للمصاب حين يبدأ تصويره.
واستمعوا إلى ملاحظات الشباب بعد المجلس؛ فعدم فهمهم لبعض المفردات يستدعي تقريبها إليهم. إنّ تجديد المختارات، وشرح ما يحتاج إلى شرح، يحفظان للموروث قدرته على مخاطبة الأجيال، ويمنحان المنبر حضوراً أعمق في نفوسهم.
ولا تجعلوا اعتيادكم للنصّ مقياساً لوضوحه عند الجميع؛ فما ألفته ألسنتكم سنوات قد يسمعه غيركم لأول مرة. جرّبوا عرض المختارات على شاب قبل المجلس، واسألوه عن معناها؛ فجوابه يكشف موضع الحاجة إلى التوضيح.
رفقاً بالدمعة؛ افتحوا لها طريق المعنى، لتجري مواساةً واعية، وتترك في النفس بصيرةً ووفاءً للحسين (عليهِ السّلام).
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!