RSS
2026-11-01 18:07:00

ابحث في الموقع

مصادرة الزمن

مصادرة الزمن
بقلم: القاضي اياد محسن ضمد

ترتبط العدالة بالزمن ارتباطا وشيجا يصعب افتكاكه، فمرة تستند عليه في اكساب الحقوق حينما يكون مرور الزمن مكسبا للحق، ومرة تستعمله كسيف قاتل في حالات التقادم المسقط للحقوق، وتارة تستخدمه معيارا لقبول الطعون حين يسقط الحق في الطعون إذا تماهل الطاعن عن الطعن خلال مدة معينة، ومرة تعتمده خطا للشروع في تحديد مديات التجريم عند الحديث عن عدم تطبيق القانون على ما يرتكب قبل صدوره من أفعال.

 لكن قد تستخدم العدالة الزمن كوعاء للعقاب بدلا من الوعاء المالي او الجسدي في حالة ما يسمى بـ(مصادرة الزمن) حين توجب النصوص القانونية فرض عقوبات بالحبس او السجن فهي تصادر كمية من زمن المتهم وتضعه خلف القضبان بين جدران أربعة، ففي العصور القديمة كانت السلطة تقتطع من جسد الجاني أجزاء لعقابه، مثل قطع اليد او الاذن او جزء من الجلد، وقد يبدو للوهلة الأولى ان انتقال النظم العقابية من مرحلة بتر أعضاء من الجسد الى مرحلة الحبس او السجن هو تغيير فلسفي، لكن باعتقادي ان تغييرا من هذا النوع لم يحصل، فالتغيير فقط انصب على عملة العقوبة وتغيرت من مصادرة اعضاء الجسد الى مصادرة اجزاء من عمر الانسان، (زمنه وسنوات حياته)، وحيث يتحرك العالم في الخارج ويتطور وتتغير العلاقات، يظل زمن السجين معلقا عند لحظة ركود قسرية.

 واذ ان الزمن هو الملكية الوحيدة التي يمتلكها الانسان لحظة الولادة، فان مصادرته هي اقسى أنواع المصادرة، لان الزمن، ممثلا بعمر الانسان، لا يمكن استرداده، وهذا النوع من المصادرة اقسى بكثير من مصادرة الأموال، فالزمن هو القيمة الأثمن والارهف في الوجود البشري، ولذا، فان جباية اعمار مرتكبي الجرائم البسيطة هي جباية غير منتجة فلا الدولة تسترد حقا، ولا المجتمع يحقق نفعا، مما يظهر حاجة لتفعيل نظام العقوبات البديلة كالعمل لتحقيق خدمة عامة وكذلك تفعيل العقوبات المالية من اجل توجيه زمن الشخص الذي تفرض عليه العقوبة واستثمار هذا الزمن في تحقيق منافع اجتماعية بدلا من تسببه في زيادة انفاق الدولة على السجون وتحويل زمن المحكومين الى زمن غير منتج يقبع خلف القضبان بلا فائدة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!