RSS
2026-05-23 12:11:56

ابحث في الموقع

أخلاقيات العمل الأمني

أخلاقيات العمل الأمني
بقلم:حيدر عاشور

تشتد الحاجة إلى إلحاق أفراد نقاط التفتيش بدورات تدريبية متخصصة في حقوق الإنسان وحسن التعامل مع المواطنين. ينبغي أن تركز هذه الدورات على ترسيخ أخلاقيات العمل الأمني لاستبدال أسلوب التعسف بنهج قائم على الاحترام وتسهيل حركة المرور مع صون الكرامة الإنسانية. وتتضمن المحاور الأساسية لهذا التدريب: تعزيز قيم النزاهة والعدالة ومنع التمييز أو استغلال المنصب، وتنمية مهارات التواصل الفعال عبر تدريب العناصر الأمنية على استخدام لغة حوار لائقة وضبط النفس في مواقف التوتر، وترسيخ مبادئ الشفافية من خلال الالتزام بالمعايير المهنية في التفتيش وتوضيح الإجراءات للمواطنين بأسلوب مهذب لبناء الثقة، إضافة إلى تزويد الأفراد بأساليب علمية لإدارة ضغوط العمل الميداني بما ينعكس إيجاباً على أدائهم وسلوكهم المهني.

أكتب هذه الكلمات تذكيراً للمسؤولين عن منافذ دخول المواطنين؛ فهذه المنافذ تعد الواجهة الحقيقية لأي دائرة أو مؤسسة أو وزارة، بما في ذلك مداخل العتبات المقدسة. يعاني الكثير من المواطنين من سوء تعامل بعض القائمين على التفتيش أو المراقبة، إذ يظهرون بمظهر غير لائق، في حين نجد كبار الشخصيات يمرون بتواضع ووقار بعيداً عن الغرور. وفي المقابل، يُصدم المواطن برؤية موظف يدخن بوضعيات جلوس تفتقر إلى الاحترام، خاصة في حضور النساء، مما يعطي انطباعاً سيئاً وينعكس سلباً على صورة الجهة التي يمثلها هذا الشخص.

إن الحاجة إلى فهم الآخر عند نقاط التفتيش تدفعنا أحياناً إلى الاستعانة بكتب علم النفس؛ فكل عمل يتطلب التعامل المباشر مع الناس يحتاج إلى تدريب مستمر يؤهل المرء لفهم نفوس من حوله. يسعى الجميع لتفسير سلوك الآخرين والتنبؤ بتصرفاتهم، والتحكم في مفاهيمهم المتغيرة، ولكن هل يمكن لأحد بعد قراءة هذه الكتب أن يدعي قدرته على حل مشكلات الآخرين، أو قراءة أفكارهم، أو كشف ما يضمرونه؟ إننا نبحث عن حلول عملية للحفاظ على الصورة الحضارية لرجل الأمن في نقاط التفتيش، الذي يُعد نفسه أداة عليا؛ فهو يبدو عادلاً في الظاهر، لكنه يمتلك صلاحيات قد يستخدمها للإذلال أو التبجيل وفقاً لمخاوفه وتوجساته من القادمين. في حقيقته، هو إنسان بسيط يحتاج إلى تقويم سلوكه ليتحرر من كبرياء السلطة، سواء كان حارساً أو مفتشاً أو رجل أمن.

تعد هذه المؤشرات دلالة على اعتلالات نفسية في التعامل بين المواطن والقائم بالتفتيش، مما يستوجب تدخلاً عاجلاً لإعادة تقييم الكوادر، واختيار من يتحلون بالكفاءة المهنية والاتزان النفسي وحسن المظهر. يبرز هذا الخلل بوضوح حين يُصاب بعض مسؤولي بوابات التفتيش بـ"عقدة العظمة" أو "وهم المعرفة المطلقة"، فيتصرف أحدهم باستعلاء وكأنه القائد الأوحد الذي لا يخطئ، مستصغراً من حوله. هذا الاعتقاد المتضخم لا يمت للواقع بصلة، بل هو وهم يسيطر على المتشبثين بمناصبهم، وهو واقع ملموس في التعاملات اليومية. إن لم تتدخل الجهات المعنية لتصحيح هذا المسار، فإن المؤسسات الرصينة ستواجه خطر الانهيار لتتحول إلى هياكل خاوية تعاني من الاضطرابات؛ حيث يبدو العمل جاداً في العلن، بينما ينخره الفساد في الخفاء كدودة الأرضة التي لا تبقي ولا تذر.

يعتمد نجاح أي مؤسسة، سواء كانت حكومية أو مدنية، سيادية أو خدمية، في المقام الأول على فهم السلوك النفسي لموظفي الاستعلامات والأمن، وفي المقام الثاني على تقييم كفاءاتهم وقدراتهم التخصصية. ويتطلب ذلك تطبيق معايير موضوعية واختبارات ذهنية دقيقة لضمان شغل الموظفين للمناصب التي تتناسب مع مؤهلاتهم وسلامتهم النفسية. إن الخطوة الأولى نحو النجاح تكمن في استبعاد العناصر غير المؤهلة أو مساءلتهم؛ إذ لا يعقل أن يتولى إدارة نقطة تفتيش شخص يفتقر إلى أبسط المهارات الأساسية. وغالباً ما تُبنى هذه التراتبية الوظيفية على المحسوبية والمصالح الشخصية لضمان بقاء المسؤولين في مناصبهم أو خشية من منافسيهم، مما يؤدي إلى تشكّل تحالفات غير منتجة تقوم على تبادل المنافع والتسلط بعيداً عن معايير التطوير المهني أو المصلحة العامة. لذا، ندعو إلى اختيار عناصر مؤهلة لنقاط التفتيش، يتمتعون بحسن المظهر، واحترام المراجعين على اختلاف فئاتهم، ورقي الألفاظ، والانضباط في التصرفات؛ فالتدخين والجلوس بطريقة غير لائقة لا يتناسبان مع هيبة رجل الأمن.

• نقطة ضوء، تتجلّى هيبة رجل الأمن في أخلاقه قبل بدلته، ويفرضها التزامه قبل سلاحه.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!