RSS
2026-02-12 14:21:24

ابحث في الموقع

حينما يصبح الجنوب خياراً دولياً

حينما يصبح الجنوب خياراً دولياً
بقلم: راجي سلطان الزهيري

اليوم لم يكن عادياً في الناصرية، دخل عليها خمسون باصاً دفعة واحدة، أي أكثر من 4500 إرهابي داعشي، رحلة بلا تذاكر عودة محاطة بإجراءات أمنية مشددة كأن المدينة استيقظت على خبر أثقل من هواء الشتاء. قافلة طويلة، أبواب مغلقة ووجوه لا نعرفها لكننا نعرف تاريخها جيداً. تاريخ مكتوب بالدم والخراب والقبور المفتوحة.

الحكومة تقول إنهم سيُودعون في سجون الناصرية وتؤكد بلهجة رسمية باردة أنهم سيُعامَلون وفق القانون العراقي، مأكل، مشرب، رعاية وحماية أيضاً. حماية لمن؟ سؤال مشروع في بلد اعتاد أن يحمي الجناة أكثر مما يحمي ضحاياه.

بدءاً، تقول الحكومة إنها ستحاكمهم؟ 

لكن الحقيقة المرة أن آلافاً غيرهم صدرت بحقهم أحكام إعدام منذ سنوات طويلة ولم تُنفَّذ. أحكام معلّقة كغسيل قديم على حبال السياسة، تنتظر ريحاً لا تأتي.

جنوبنا وناصريتهِ تحديداً!

مدينة أنهكها الفقر ودفعت أثماناً باهظة في الاحتجاجات ودفنت أبناءها بيدها، هل الجنوب قدره أن يكون دائماً المخزن، السجن، ساحة التجارب وصندوق الأزمات المؤجلة، هل هناك من يرى في الجنوب مساحة آمنة لرمي الألغام البشرية، أم أن هناك من يعتقد أن ذاكرة الجنوب قصيرة وأن صبره بلا نهاية، هل تريد الولايات المتحدة أن تكون هناك قنابل موقوتة في الجنوب، هل الفكرة أن يبقى هؤلاء جاهزين ليوم ما، لساعة ما، لاضطراب ما، التاريخ القريب لا يطمئن والسيناريوهات السوداء لا تحتاج خيالاً واسعاً، معظم هؤلاء الدواعش الذين كانوا في السجون السورية أجانب، وليسوا عراقيين، جاؤوا من قارات وحدود بعيدة، عبروا المطارات والبحار ليقاتلوا هنا.

الاغرب، لماذا لم يُعادوا إلى دولهم، أليست تلك الدول أولى بهم، أليست تلك مسؤولية قانونية وأخلاقية دولية؟

لماذا العراق دائماً، العراق يبدو في نظر العالم مكبّ نفايات الأزمات. حروب الآخرين تُصفّى هنا، إرهاب العالم يُحاكم هنا، وأثمان الفوضى تُدفع من دم العراقي فقط.

خطط وإنفجارات مؤجلة

القواعد الأمريكية منتشرة في الخليج، في دول مستقرة، محمية، غنية، لماذا لم يُرسلوا إلى هناك، لماذا لم تتحمل تلك الدول جزءاً من العبء، أم أن العراق هو الحلقة الأضعف دائماً، والاختيار الأسهل دائماً.

السؤال الأخطر من يحكم العراق، نجد في الإعلام، الحاكم هو العراقي لكن في البيانات الرسمية، القرار عراقي سيادي.

اما على أرض الواقع، الصورة مشوشة والقرار موزع والسيادة مجزأة. ترى من يحكم العراق حين تُنقل آلاف العناصر الإرهابية إلى مدينة دون موافقة أهلها، من يحكم حين تتكدس أحكام الإعدام في الأدراج ولا تُنفذ، من يحكم حين تُتخذ قرارات مصيرية دون حوار وطني حقيقي؟

هل يحكمه السياسي؟ 

أم السفارة؟

أم التوازنات الدولية؟

أم الخوف من العقوبات؟

أم الصفقات التي لا تُكتب في محاضر الجلسات؟

سيّدة الحرف الشاهقة

هي مدينة الجوع والكرامة، مدينة الاحتجاج والدم، السومرية مدينة السؤال العالي، وأي قرار يمسها دون احترام أهلها هو إهانة مضاعفة، العراقي لم يعد يسأل بدافع الفضول، بل بدافع الخوف، الخوف من مستقبل يُدار من خارج الحدود ويُنفذ داخلها، الخوف من أن يتحول الجنوب إلى غرفة انتظار لانفجارات مؤجلة، هذه ليست قضية نقل سجناء فقط، هذه قضية سيادة وكرامة وقرار وطني، قضية بلد ما زال يبحث عن حاكمه الحقيقي، والسؤال سيبقى معلقاً، كأحكام الإعدام، وكالوعود الرسمية: من يحكم العراق فعلاً؟ حين نجد الجواب الصادق، ربما نفهم لماذا كانت الناصرية دائماً في الواجهة ولماذا يدفع العراقي وحده الفاتورة.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!