RSS
2026-01-23 12:28:26

ابحث في الموقع

الآثار الوضعية للذنوب... راقب نفسك واترك عقوق الوالدين

الآثار الوضعية للذنوب... راقب نفسك واترك عقوق الوالدين
بقلم:حسن الهاشمي

قبل الولوج في موضوعة عقوق الوالدين نستذكر قصتين أحدهما عن العقوق والأخرى عن البر، لاستخلاص العبرة منهما فنقول جاء في الآثار أن رجلًا آذى أمه، فدعت عليه: "اللهم لا ترضَ عنه" فلم يوفق بعدها في تجارة ولا زواج ولا راحة، وكان يقول: "كل باب أطرقه يُغلق في وجهي". انظر دعوة الأم كيف انها قد هدمت حياة الرجل وجعلت أيامه جحيما لا يطاق، فضلا عما ينتظره في الآخرة من عذاب واصب ما لم يتب ويتدارك أمره قبل فوات الأوان.

وفي المقابل ذُكر عن رجل كان فقيرا، يخدم أمه العجوز بنفسه، يطعمها ويغسلها، فقيل له: لمَ لا توكل هذا لغيرك؟ قال: كانت تفعل هذا لي وأنا لا أعي، أفلا أفعله وأنا أعقل؟ ففتح الله عليه رزقا واسعا، وكان يقول: "ما دعوت الله بشيء بعد رضا أمي إلا أُعطيت".

عقوق الوالدين يعني الإساءة إليهما والتسبّب بأذيَتهما بأي طريقة كانت وقد اعتبره الاسلام من الكبائر، الإمام الباقر عليه السلام لما سئل عن الكبائر قال: (كل شئ أوعد الله عليه النار) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٢ - ص ٩٩٣. والكبائر هي الذنوب العظيمة التي توعّد الله تعالى عليها بعقاب شديد في الدنيا أو الآخرة أو كليهما، كالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو نفي الإيمان، أو الحدّ الشرعي، فالمعيار الأساس عند أهل البيت ليس كثرة الذنب أو صغره في نظر الناس، بل خطورة الوعيد الإلهي المترتب عليه.

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):(إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: ... عقوق الوالدين...) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٤ – ص ٣٦٧٧. عقوق الوالدين من أعظم الكبائر عند الله، وقد جاء التشديد عليه في القرآن والسنة تشديدا بالغا، لما فيه من كسرٍ لأصل الرحمة، وجحودٍ لأعظم الإحسان بعد إحسان الله تعالى، قال الله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإسراء: 23. فجعل الله برّ الوالدين مقرونا بتوحيده، وهذا أعظم دليل على مكانتهما.

العقوق من الذنوب التي يعجّل الله عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة، وهو سبب لحرمان التوفيق، وضيق الصدر، ومحق البركة في العمر والرزق، وقد ورد أن العاق لا ينظر الله إليه يوم القيامة نظر رحمة إن لم يتب.

والعقوق يتحقق بمواقف عديدة منها، رفع الصوت على الوالدين أو مجادلتهما بفظاظة، إهمالهما عند الكبر أو ترك خدمتهما مع القدرة، إيذاؤهما بالكلام أو التصرف أو حتى بالتأفف، تقديم الزوجة أو الأولاد أو الأصدقاء عليهما بغير حق، وغيرها الكثير، وباب التوبة مفتوح مهما كان التقصير، شريطة ان تكون التوبة صادقة أو الاعتذار والإحسان المتأخر نابعا من صميم القلب والندم على ما اقترفه في سالف الايام، فانه قد يبدّل الله به السيئات حسنات، خاصة إن اقترن برضا ودعاء الوالدين.

عقوق الوالدين ليس ذنبا عابرا، بل كسرٌ لعهدٍ عظيم، ومن أراد سلامة دنياه وآخرته فليلزم باب برّهما، فهو أقرب أبواب الجنة، عن الإمام الصادق (عليه السلام):(عقوق الوالدين من الكبائر، لأن الله تعالى جعل العاق عصِيّاً شقِيّاً)بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧١ - ص ٧٤. والدليل الآخر على جعل عقوق الوالدين من الكبائر؛ لأن الله تعالى وصف العاق بأقسى وصفين: العصيان والشقاء، وهما ضد الطاعة والسعادة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في سياق برّ الوالدين: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) مريم: 14. وكذلك قال: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا شَقِيًّا) مريم: 32. فدلّ ذلك على أن العقوق يجمع صفتين مهلكتين: العصيان وهو خروج عن أمر الله، والشقاء وهو حرمان التوفيق والراحة والطمأنينة.

لهذا قال أهل التفسير كل من عَقّ والديه فهو داخل في وصف العصيان والشقاء، وإن بدا للناس ناجحا أو غنيا، ومن لطيف المعاني أن الله لم يقل: "عاصيا لوالديه" بل قال: "عصيًّا" أي: صفة راسخة، لأن من تجرأ على والديه تجرأ على غيرهما، والصفة الجامعة للعصيان والشقاء هي التكبر والاستعلاء على الآخرين، وهو مرض قلبي خطير يهدم الإيمان قبل أن يهدم العلاقات الاجتماعية.

وأثر العصيان والشقاء في الواقع اضطراب في القلب، قسوة في المعاملة، قلة بركة في العمر والرزق، وتعسّر في العلاقات والقرارات، ومن عصى والديه أورثه الله ذلًّا في نفسه وإن لبس الحرير، ومن بر والديه أورثه الله عزا في نفسه ولو لبس البالي والقديم، ومن أراد السعادة فطريقها برّ الوالدين فإنها طاعة، والطاعة سعادة، وعقوقهما عصيان، والعصيان شقاء.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!