RSS
2026-01-22 17:53:36

ابحث في الموقع

الحسينُ (عليه السلام) خِلعَةُ السماءِ اليتيمةُ لمحمدٍ (صلى الله عليه وآله)

الحسينُ (عليه السلام) خِلعَةُ السماءِ اليتيمةُ لمحمدٍ (صلى الله عليه وآله)
بقلم: حسن كاظم الفتال

بسم الله الرحمن الرحيم 

(فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ـ الأنعام / 54

لم يكن الكون ليُشَيَّد .. ولا السماوات لتمتد وتبنى .. ولا الأرض لتبسط وتدحى .. لازال الكل طي العدم لا وجود إلا لله جل وعلا.. 

وآن أوان الساعة .. يطلق الله سبحانه وتعالى كلمته الأحدية الصمدية لكل شيء .. فيقول : (كن) فيكون . ويبدأ الخلق .. وقبل إن ينشئَ الخليقةَ يشق من نوره فَلقَةً ليخلق منها رسوله محمدا صلى الله عليه وآله .. قبل الخلق كله . ليسمق نوره المتشعشع المحيط بأقطار السماوات والأرض .. فيكون لها محورا وقطبا تدور فيه وعليه وله . ثم يشطر جل وعلا ذلك النور المحمدي فينشئُ منه وصيه ونصيره وخليفته علي بن أبي طالب صلى الله عليهما وآلهما .. ثم تتشظى الأشراقات لتنشر عشرة أنوار أخرى .. وتطوف أقطار السموات مسبحة لله مهللة. تعلم الملائكة التسبيح والتهليل . فيعلن كتابُ الله تصريحَه ليكون لسان حال هذه الأنوار ومصداقا لبيان منزلتها ومقامها وعظمتها ويصدر قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم . ( وَمَا مِنَّا إِلاّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) ـ 166/ الصافون مشيرا إلى محمد صلى الله عليه وآله وآل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم.

حقَّ للأنوار أن تمحق آثار الدجى

الجزيرة العربية التي كانت تعد واجهتها الحضارية أكبر مهد للحضارة . ومستقرَ مكارم الخلاق .. تهافت ضوء إشراقتها المزعومة .. وبدلا من أن تنصهر بمكارم أخلاقها المعهودة . راح يداهمها إعصار التخلف. وكادت أن تنحدر إلى قاع يحيطه ظلامٌ فكري وعقائدي .. وتلبدت سماء موروثاتها بظلمة التراجع والعد التنازلي لاندثار معالم المبادئ والقيم السامية 

ولما بلغ السيلُ الزبى وكادت صروح الحضارة الإنسانية أن تنهار ويؤول كل شيء إلى السقوط آن أوان ظهور النور الذي تحول إلى بشر ليقول للناس : (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) ـ فصلت/ 6 . ثم يعلن مضمون رسالته بقوله : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فيتبعه الصوت الإلهي القرآني هادرا ليُعَرِّفَه على الناس ويُعَرِّفَ الناسَ به . (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ـ الأنبياء / 107 . تشرق أنوار الرحمة بمحمد صلى الله عليه وآله فيمهد السبيل لامتداد الرحمة وديمومته ويعهد بعهده إلى سبطه الذي هو نفسه بقوله : ( حسين مني وأنا من حسين ) لتتوسع رقعتها وتغدو أكثر شمولية وأمضى عمومية . هذا العهد والتمهيد تسلل كالنسيم العذب إلى القلوب الصافية السليمة والضمائر النقية ليوسمها فتنتشي بسلساله الإنساني العذب الرقراق.

بالزغب تخط الملائة التهاني

شارات الاعتصام بحبل الله تقدح زند بشائرها .. لتريق شهقاتُ الشوقِ والحنين وتتسربلَ إلى قلوبٍ تناسقت نبضاتُها وتسارعت لتتأهبَ للقيا نور ينبلج من إندلاع لسان الصباحات المحمدية المقدسة.. نبضات متساوقة متسارعة يبدد تدفقُ سريانِها اصطبارَ القلوب .. لتنثال من نقاء عقيدتها وصفاء ولائها المبجل ترانيمُ تهتف بقدس الحب والود والإخلاص والوفاء.. وتراتيلُ يؤطرها جلالُ عزِ الولاء الحقيقي .. يفوح منها عطرُ إعلان صدق الإنتماء .. وتُطلِقُ بكل قداسة نبضاتُها تهانيَ تشارك بها الملائكةَ النازلةَ من السماء لتقديم التهاني لمن وهب الكون الجلال والجمال. لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله . لمناسبة إنبعاث نور الدعوة الإنسانية والرحمة الربانية حسين الكرامة والإباء. حسين الوفاء والفداء التضحية والزهو الكبرياء.

وهجٌ يحطم أغلال سلاطين الجور

للجهل أوجه مختلفة ومتعددة. وعزا البعض السبب في انتشار الجهل إلى أن من يتسمون به هم متحمسون جدا لنشره . ، ولا نجافي الحقيقة كثيرا حين نحسب الحكام المستبدين بأنهم من حملة الجهل وهم أول الجاهلين وهم أول المتحمسين لنشره حتى وإن زعموا أو أتصفوا أو تميزوا حقا بالدهاء لأنهم في الوقت نفسه في مقدمة المستفيدين منه. ويبدو أن هذه النظرية إن صحت التسمية جعلت الحكام الأمويين أن ينفذوا من هذا المنفذ ويسعوا لتخدير المجتمع وليس على تجهيله فحسب ليتسنى لهم فعل ما يريدون فعله فإن الشعوب كلما غرقت في الجهل والغفلة ساهمت في توسيع الثغرة ليمرر الحكام منها مآربهم ويكون الجهل خير مدخل فيعمدون لإبعاد الناس عن كل ما يرمز للعلم والمعرفة وييسر لهم وراثة السطو التام على سدة الحكم بأي شكل من الأشكال والتسلط على الرقاب.

هذا ما يفكرون به دائما ليستحوذوا على كل شيء ورغم أن الأعناق العزلى لا تقوى على الإنتصار على سيوف الجلادين. والظهور لا تلهبها إلا السياط ولكن ليس هذا الواقع هو الحاصل بالنتيجة دائما. فإذا تيسر لهم ذلك وحققوه فيستحيل عليهم أن يستحوذوا على القلوب والضمائر إذ إن الاستحواذ على القلوب من حصة الأولياء الطاهرين المتعلقة أرواحهم وأنوارهم وكل صِلاتِهم بالله عز وجل وحده.

مناجاة الأرواح تتماهى بالقداسة

مما هو أبرز وأظهر بيانا وشيوعا ومألوفيةً بين الملأ إن الحكام الأمويين قد مارسوا كل ما بوسعهم ليجدوا ولو ممراً يسيرا سلسًا للإستحواذ على القلوب إنما رغم كل المحاولات فقد عجزوا عن ذلك وجاهدوا بسعيهم وحاولوا تطبيقه حتى في وادي الطفوف ولكنهم لم يفلحوا. 

إذ أن سيد الشهداء الحسين عليه السلام جسد الحرية بمعانيها الجوهرية حين قاد ركبه وحدا به إلى عالم الخلود. لم يعمد على تكوين الركب بالإختيار والتنصيب بتسمية فلان وفلان ولم يشر إلى أحد أو يرغم أحدا أو حتى يدعو أحدا معينا بل وقف يهامس بمناجاة أنفاسِه الشريفة الضمائرَ ويناجي قداسَةَ الأرواح ويتجاذب معها بنبرات إيمانية حقة فتتناغم معه النبضات المنطلقة من أعماق السويداء . تَحَقَّق ذلك حين رتل آية التحرر من قرآن أحقية الإنسان بالعيش الرغيد ساعة قال: (من كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل فإني راحل مصبحا إن شاء الله).

وكانت التلبية طوعية وحفت به المهج وقرت بها عينه وصار جمع يتحدى الشتات. كان سواه ينثر الأموال الطائلة وهو عليه السلام ينثر إشعاع التقوى من روحه الطاهرة ونور الرحمة والشفقة والرأفة وطهارة الروح وفيض العقيدة من منبع نقي صافٍ. فهم يقودون بالقهر ويحدون الناس بالنار والحديد وهو يجتذب القلوب بالعظمة وبسوقها إلى جنة الخلد فالتصقت به حين عقد العزم على هجر الدنيا وتمسكت به حين أذاع إعلانه المشهور : (خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة) . فحق له أن يحدو ركبا من الأولياء والصلحاء والفضلاء والأتقياء دون أن يلقي نظرة مفاضلة بطرف التمييز فقد محصت الضمائر والقلوب والعقول وتلاشت الفوارق فلا فرق بين جون العبد الأسود وبين مقاتل من أبناء عقيل ولا فرق بين واضح التركي الذي يضع خده الشريف على خده ساعة استشهاده وبين زين الشباب علي الأكبر عليه السلام وبين عابس الشاكري وأبو ثمامة الصيداوي وهكذا . إذن هذا من الترك وذاك من فارس وهذا من أفريقيا وذاك من قريش ومن أصول ساداتها. 

وللمسك خاتمة عبقة

سلاما عليك أيها النور الإلهي الباهر .. المنبلج من فجر الجلالة .. ليطوف في آفاق السموات .. يسبح ويهلل ويُعَلِّم الملائكة التهليل والتسبيح .. سلاما على السراج الوهاج .. المخلوقةِ من وهج إبتهاجه الجنانُ والحورُ العين .. سلاما على النور الذي استقر بأمر الله في الأصلاب الشامخة .. وأودع في الأرحام المطهرة.. فانسل منها طهرا طاهرا مطهرا .. منبلجا من طهر طاهر مطهر .. سلاما لك من سكان السموات والأرضين.. أيها الباذل كلَ نفيس وأنفس .. وكلَ عزيز وأعز .. ليحيا الفداء الوفاء .. قاصدا خلودك في المقام الأعلى في جنات عدن .. وتتقد به الكرامة .. وتتلألأ منه العزة والإباء ... سلاما على مشرق خلودك السرمدي الأبدي .. الذي لا يحدوه الغياب..ولا يؤوبه إياب.. سلاما على نورك الذي يستشرق بزهوه الفردوس الأعظم.. وعلى عرشك الذي تربعت عليه لتسود بقدسك وجلالك على شباب أهل الجنة .. سلاما عليك يا أبا عبد الله .. يا أبا الشهداء .. سلاما على ميعاد شروق نورك البهي الأزهر .. سلاما على مولدك المقدس ورحمة الله وبركاته.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!