RSS
2026-01-20 12:21:38

ابحث في الموقع

أحزاب بلا استقرار سياسي

أحزاب بلا استقرار سياسي
بقلم: مشتاق الربيعي

العراق لا يعرف الاستقرار السياسي منذ انتهاء الحقبة المظلمة التي طُويت صفحتها إلى غير رجعة، وحتى يومنا هذا. فعلى الرغم من مرور سنوات على ذلك التحول التاريخي، ما تزال ملامح الدولة الحديثة تبحث عن مكانها وسط مشهد سياسي مضطرب ومتقلب.

ومن أبرز أسباب هذا الاضطراب تعددية الأحزاب السياسية وتداعياتها، إذ تحولت الساحة السياسية إلى ساحة صراع محموم بين رجال تلك الأحزاب، يتنافسون على النفوذ والهيمنة على مركز القرار السياسي، دون وجود توافق وطني حقيقي أو مشروع دولة جامع.

ومن الجدير بالذكر أن الأحزاب التي قارعت الدكتاتورية وواجهت تلك الحقبة المظلمة في تاريخ العراق، كانت محدودة من حيث العدد، وكانت تمتلك سردية سياسية واضحة وأهدافًا محددة تتعلق بمناهضة النظام القائم آنذاك. أما اليوم، فقد تضاعف عدد الأحزاب بشكل كبير بعد سقوط النظام، حتى باتت الساحة السياسية مزدحمة بعشرات الأحزاب المتنافسة بلا أطر واضحة أو برامج متكاملة، الأمر الذي زاد من التشظّي بدلًا من تعزيز التعددية.

ومما يزيد في تعقيد المشهد أنه عند نهاية كل دورة انتخابية نشهد ولادة أحزاب جديدة تدخل الساحة السياسية، دون أن تحمل غالبًا مشروعًا وطنيًا جامعًا أو رؤية إصلاحية واضحة. وفي مقارنة بسيطة، نجد أن الولايات المتحدة الأميركية — وهي دولة أكبر من العراق جغرافيًا وأكثر منه سكانًا — تعمل تحت مظلة حزبين رئيسيين هما الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، مع وجود بعض الأحزاب الصغيرة التي لا تؤثر في ثقل القرار السياسي العام.

ولذلك ينبغي على الجهات ذات العلاقة والصلة متابعة مصادر تمويل هذه الأحزاب، والتحقق من شرعيتها وشفافيتها، لأن غياب الرقابة المالية ووضوح التمويل يُعدّ أحد أهم أبواب الفساد السياسي، وأحد العوامل التي تُغذّي استمرار الصراع على النفوذ وتقاسم السلطة. فالتمويل غير المنظم أو غير المكشوف قد يفتح الباب لتدخلات خارجية أو مصالح اقتصادية ضيقة، تتحول لاحقًا إلى نفوذ سياسي يفرض إرادته على الدولة ويضر بالمصلحة الوطنية.

إن تجاوز هذه الفوضى يتطلّب إعادة النظر في آليات العمل السياسي، وتحديدًا في مفهوم التعددية الحزبية وكيفية تنظيمها وإدارتها، بحيث لا تتحول إلى باب لتقاسم السلطة، بل إلى وسيلة لصناعة دولة مؤسسات حقيقية، بدل أن تبقى مجرد ساحة نفوذ لا تنتج إلا الأزمات.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!