غدًا، حين تشرق شمس عرفة، لا يشرق النهار على الأرض وحدها، بل يشرق على قلوبٍ جاءت من آخر التعب إلى أول السكينة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الله، ومن وحشة الغفلة إلى أنس المعرفة، هناك، على صعيد عرفات، يقف الحجيج لا بأجسادهم وحدها، بل بأرواحهم العارية من كل زينة، وقد خلعوا عن قلوبهم ثياب الكبر، وتركوا وراءهم أسماءهم وألقابهم وأحلامهم الصغيرة، وجاءوا إلى الله كما يجيء العاشق إلى محبوبه: منكسرًا، مشتاقًا، لا يحمل إلا قلبًا يرجو أن يقبل، يرتفع النداء: لبيك اللهم لبيك.
ولا يكون النداء صوتًا يخرج من الحناجر، بل سرا ينهض من أعماق الأرواح. كأن كل حاج يقول: يا رب، جئتك لا خوفًا من نارك وحدها، ولا طمعًا في جنتك وحدها، بل لأنك أنت الله، ولأن قلبي لا يعرف وطنًا إلا قربك، ولا راحة إلا في ذكرك، ولا حياة إلا بنور رضاك، في ذلك الموقف العظيم، تصمت الدنيا بكل صخبها، وتسقط الأقنعة التي تعب الإنسان في ارتدائها، لا يبقى غني ولا فقير، ولا ملك ولا مملوك، ولا قريب ولا بعيد، كلهم هناك سواء، يكسوهم البياض كأنهم خارجون من رحم الرحمة، أو واقفون على عتبة البعث، ينتظرون نفحة من نظر الله، وقطرة من بحر عفوه، ولمسة من لطفه الذي إذا مس القلب أحياه.
عرفات ليس جبلًا ولا واديًا ولا ساحة تجمع الملايين فقط، عرفات سر من أسرار العودة، هناك يعرف الإنسان نفسه حين يعرف فقره، ويعرف ربه حين يرى غناه، ويكتشف أن كل ما شغله عن الله كان ظلًا زائلًا، وأن كل ما طلبه بعيدًا عنه كان سرابًا، وأن القلب مهما امتلأ بالدنيا يبقى جائعًا حتى يذوق محبة الله، في عرفات، تتكلم الدموع بما لا يستطيع اللسان أن يقوله، دمعة واحدة صادقة قد تحمل من الاعتراف ما لا تحمله خطب طويلة، وزفرة واحدة من قلب منكسر قد تفتح بابًا ظل مغلقًا سنين، هناك لا يحتاج العبد إلى فصاحة، فالله يسمع ارتعاش القلب قبل ترتيب الكلام، ويرى الندم قبل أن تصوغه الشفاه دعاءً، أي مقام هذا الذي تتجرد فيه الأرواح حتى تصير أقرب إلى أصلها الأول؟، أي يوم هذا الذي يقف فيه الإنسان بين يدي مولاه لا يطلب إلا مولاه؟، أي رحمة هذه التي تجعل الذنب طريقًا إلى التوبة، والانكسار بابًا إلى القرب، والدمعة جسرًا بين الأرض والسماء؟، الحج في حقيقته ليس سفرًا إلى مكان، بل سفر من النفس إلى الله، ليس انتقالًا من بلد إلى بلد، بل عبور من التعلق إلى التحرر، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن حب الفاني إلى عشق الباقي، يبدأ الطريق بثوبين أبيضين، لكنه لا يكتمل إلا بقلب أبيض، قلب لا يحمل حقدًا، ولا يختبئ فيه كبر، ولا يزاحم الله فيه أحد.
ولعل سر الحج الأعظم أنه يعلم الإنسان كيف يحب الله، فالمحب لا يمل النداء، ولا يستثقل الوقوف، ولا يرى في التعب تعبًا إذا كان الطريق إلى الحبيب، كل خطوة في الطواف شوق، وكل سعي بين الصفا والمروة رجاء، وكل دعاء على عرفات اعتراف بأن القلب لا يشفى إلا بالقرب، ولا يطمئن إلا حين يقول: يا رب، أنت مقصدي، وأنت مرادي، وأنت حبي الذي لا يخيب، وهناك، حين تمتد الأكف إلى السماء، لا تكون الأيدي هي التي ترتفع فقط، بل ترتفع معها أعمار كاملة من الندم، وأحلام مؤجلة، وأوجاع مخفية، وأسماء أحبة غابوا أو أتعبتهم الحياة، كل حاج يحمل في قلبه عالمًا من الدعاء، وكل قلب يقف على باب الله كطفل تائه عاد أخيرًا إلى حضن أبيه، لا يريد تفسيرًا لما حدث، بل يريد فقط أن يُضم إلى الرحمة، في عرفات، يصبح الإنسان أصدق، يرى حياته كما هي، لا كما كان يزينها لنفسه، يرى تقصيره، وغفلته، وذنوبه، وضعفه، وخوفه، ثم يرى فوق ذلك كله ربًا لا يرد من أقبل، ولا يخيب من رجاه، ولا يغلق الباب في وجه من طرقه بصدق، فيبكي، لا يأسًا، بل طمعًا في الجمال الإلهي الذي يغسل القلوب إذا أظلمت، ويعيد إليها نورها الأول، وحين تغرب شمس عرفة، لا تغيب وحدها، يغيب معها شيء من قسوة القلب، وشيء من ظلمة الروح، وشيء من وحشة الطريق، كأن الله يودع في أرواح عباده سرًا جديدًا، ويقول لهم بلطف لا تسمعه الآذان ولكن تعرفه القلوب: عودوا إلي، فإني قريب، عودوا إلي، فإني أوسع من ذنوبكم، عودوا إلي، فليس لكم غيري، وليس لقلوبكم مأوى سواي.
ما أعجب هذا اليوم، يوم يشبه العناق بين الأرض والسماء، يوم تتطهر فيه الأرواح لا بالماء، بل بالندم، وتغتسل فيه القلوب لا بالدموع وحدها، بل بالمحبة، ويتعلم فيه الإنسان أن الله لا يريد منه صورة كاملة، بل قلبًا صادقًا، منكسرًا، مقبلًا، يعرف أنه لا نجاة له إلا به، إن الحج رسالة حب قبل أن يكون مشقة، ورسالة قرب قبل أن يكون نسكًا، ورسالة رحمة قبل أن يكون رحلة، فيه يتعلم العبد أن العبودية ليست قيدًا، بل حرية من كل ما سوى الله، وأن السجود ليس انحناء الجسد، بل ارتفاع الروح، وأن التلبية ليست كلمات محفوظة، بل عهد عشق بين العبد وربه: لبيك يا من خلقتني ورزقتني وسترتني وغفرت لي، لبيك يا من تركتني أبتعد ثم فتحت لي باب الرجوع، لبيك يا من أحببتني قبل أن أعرف كيف أحبك، لبيك يا الله، لا لأنني أهل للقرب، بل لأنك أهل للرحمة.
وعلى مشارف هذا اليوم العظيم، يوم عرفة، يوم الرحمة والمغفرة والعتق والرجاء، نقف نحن أيضًا بقلوبنا وإن لم تقف أقدامنا على صعيد عرفات، نرفع أرواحنا إلى الله، ونقول: يا رب، إن لم نكن بين الحجيج بأجسادنا، فاجعلنا بينهم بصدق شوقنا، وإن لم نلبس ثياب الإحرام، فألبس قلوبنا ثوب الطهر، وإن لم نطف حول بيتك، فاجعل أرواحنا تطوف حول محبتك، لا ترى غيرك، ولا تريد سواك، يا رب، يا واسع الرحمة، يا قريبًا من المنكسرين، يا أنيس الذاكرين، طهر قلوبنا من كل ما يحجبنا عنك، واغسل أرواحنا من غبار الغفلة، واجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا، وقربك أوسع أمانينا، ورضاك غاية طريقنا.
اللهم اجعل لنا في يوم عرفة نصيبًا من الرحمة، وحظًا من المغفرة، ونورًا من القبول، اكتبنا في عبادك المخلصين، واجعلنا ممن أحببتهم فأقبلت عليهم، وذكرتهم فيمن عندك، وغفرت لهم ما مضى، وفتحت لهم أبواب ما هو آتٍ من خير ونور وسلام، اللهم احفظ أبناءنا وأهلينا وبلادنا، واجعل لنا من كل خوف أمنًا، ومن كل ضيق فرجًا، ومن كل ذنب توبة، ومن كل بعد قربًا، ولا تجعل في قلوبنا محبوبًا يزاحم محبتك، ولا رجاءً يعلو على رجائك، ولا بابًا نطرقه قبل بابك، فأنت الأول حين تتوه البدايات، وأنت الآخر حين تفنى النهايات، وأنت القريب إذا استوحشت الأرواح، وأنت الحبيب إذا خذلتنا الدنيا.
وما الحج إلا رجوع إليك.
وما عرفة إلا لحظة صدق بين العبد وربه.
وما الحياة كلها، إن أشرقت بنورك، إلا طريق طويل إلى محبتك.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!