إذا كانت التسوية المالية في جرائم المال العام قد أصبحت مدخلاً قانونيًا لبحث الشمول بالعفو العام من عدمه، فإن السؤال الأهم لم يعد هل يجوز إجراء التسوية؟ وإنما أصبح كيف تُحدد قيمة المال العام محل التسوية؟ فالقول بوجود تسوية مالية يفترض، بالضرورة، معرفة مقدار الضرر معرفة دقيقة، ولا يمكن أن تكون التسوية صحيحة أو منتجة لأثرها القانوني إذا قامت على رقم تقريبي، أو تقدير إداري سريع، أو إفادة غير محققة من الجهة المتضررة ومن هنا تبرز أهمية قرار محكمة التمييز الاتحادية المرقم 4772/4770/الهيئة الجزائية/2025 الصادر في 10/3/2025، إذ قررت المحكمة وجوب تحقق المحكمة من الممثلين القانونيين للجهات الحكومية المتضررة من الجريمة، وبيان ما إذا كان المتهمون قد سددوا الضرر في حال وجوده، ومعرفة ما إذا كانت هناك أطراف مدنية متضررة قبل تقرير الشمول بالعفو. ومؤدى ذلك أن التسوية لا تبدأ من رغبة المتهم بالدفع، بل من تحديد الجهة المتضررة ومقدار الضرر وطبيعة المال المعتدى عليه وللوقوف على ذلك بصورة أوضح نبين الاتي:
أولاً: مقدار الضرر أساس التسوية لا نتيجتها
لا تكون التسوية المالية في جرائم المال العام تسوية قانونية بالمعنى الدقيق إلا إذا انصبت على ضرر معلوم، فاسترداد المال العام يقتضي أولاً معرفة مقدار المال المختلس أو المسروق أو المهدور أو المتحصل من الجريمة، ومن غير هذا التحديد تتحول التسوية إلى إجراء شكلي، وقد تؤدي إلى نتيجة خطيرة، وهي شمول المتهم أو المحكوم بالعفو على أساس مبلغ لا يمثل حقيقة الضرر، وقد أكد التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم (27) لسنة 2016، الصادر بالقانون رقم (2) لسنة 2025، هذا المعنى عندما اشترط في جرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام وجرائم الفساد المالي والإداري أن يتم تسديد ما بذمة المشمول من أموال بإجراء تسوية مع الجهة المتضررة تضمن استرداد الأموال العامة، على أن يسدد المبلغ كاملاً ، وبذلك فإن هذه العبارة تفترض أن المبلغ قد حُدد بصورة صحيحة، وأن الجهة المتضررة لا تكتفي بمطالبة شكلية أو رقم ظاهر في الأوراق، بل تقدم بيانًا ماليًا يكشف حقيقة الضرر، فالمبلغ الكامل لا يعرف إلا بعد تحقيق مالي يكشف أصل المال، وطريقة خروجه، ومساره، والمستفيد الحقيقي منه ومنافعه وعوائده وما ال اليه.
ثانيًا: التحقيق المالي الموازي بوصفه مقترحًا لازمًا لصحة التسوية
يقصد بالتحقيق المالي الموازي إجراء فحص مالي وفني مستقل يسير إلى جانب التحقيق الجزائي، ولا يحل محله، ولا يتدخل في سلطة القضاء أو اختصاص هيئة النزاهة، وإنما يساندهما في تحديد القيمة المالية الحقيقية للضرر، فهو ليس تحقيقًا بديلاً عن التحقيق القضائي، ولا سلطة اتهام جديدة، وإنما آلية كشف مالي تساعد على تتبع المال وتحديد مقداره ومآله، وتظهر ضرورة هذا التحقيق في الجرائم التي لا يكون أثرها المالي ظاهرًا بصورة مباشرة، فالاختلاس قد يترك أثرًا حسابيًا واضحًا في السجلات، وسرقة المال العام قد تظهر من خلال نقص مادي أو مستندي، أما الرشوة والهدايا غير المشروعة والعمولات الخفية والابتزاز مقابل تمرير الصفقات أو تعطيلها، فهي جرائم مستترة بطبيعتها، وفي هذه الصور لا يكفي سؤال الجهة المتضررة عن مقدار الضرر، لأن الضرر قد لا يظهر في حساباتها المباشرة، بل يظهر في تضخم أموال الموظف أو الوسيط أو أحد أفراد عائلته أو في انتقال المال عبر أشخاص واجهين.
وهنا تتصل فكرة التحقيق المالي الموازي بقانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم (30) لسنة 2011 المعدل، إذ عدّ القانون من قضايا الفساد جرائم سرقة أموال الدولة والرشوة والاختلاس والكسب غير المشروع، كما عرّف الكسب غير المشروع بأنه كل زيادة تزيد على 20% سنويًا في أموال المكلف أو أموال زوجه أو أولاده لا تتناسب مع مواردهم الاعتيادية ولم يثبت لها سبب مشروع، وعليه، فإن الجرائم المستترة لا تكشف دائمًا من خلال ملف الدعوى الجزائية وحده، بل تحتاج إلى تتبع مالي لحركة الأموال، ومقارنة الذمة المالية قبل الواقعة وبعدها، وفحص الصفقات والعقود والتحويلات والموجودات، وربط الزيادة غير المبررة بمصدرها المحتمل، ومن غير هذا المسار قد تكون التسوية ناقصة، لأنها تعالج جزءً ظاهرًا من الضرر وتترك الجزء الخفي خارج الحساب.
ثالثًا: نطاق التحقيق المالي الموازي وضماناته
لكي يكون التحقيق المالي الموازي منضبطًا، ينبغي أن يقوم على ضوابط واضحة أولها أن يصدر بناءً على طلب أو إشعار من المحكمة أو اللجنة المختصة بتطبيق قانون العفو العام أو الجهة التحقيقية، كلما كان مقدار الضرر غير واضح أو كانت الجريمة من الجرائم التي يحتمل فيها وجود منفعة مالية مستترة، وثانيها أن تتولى الجهة الفنية المختصة، كديوان الرقابة المالية أو الخبراء الماليين أو الجهات الرقابية ذات الاختصاص، إعداد تقرير مالي يحدد مقدار الضرر أو حدود الاشتباه المالي، وثالثها أن يكون نطاق التحقيق محددًا بموضوع التسوية، لا مفتوحًا بصورة تمس قرينة البراءة أو تحول الإجراء المالي إلى عقوبة مسبقة، فالغرض منه ليس إدانة الشخص، وإنما معرفة ما إذا كان المبلغ المعروض للتسوية يمثل حقيقة المال العام المعتدى عليه، ورابعها أن يعرض التقرير على المحكمة أو اللجنة المختصة، وأن يكون قابلاً للمناقشة والاعتراض، حتى لا تتحول الخبرة المالية إلى حكم نهائي خارج رقابة القضاء.
وبذلك لا يؤثر التحقيق المالي الموازي على عمل القضاء، لأن القضاء يبقى صاحب القرار في التكييف والإدانة والشمول بالعفو، ولا يؤثر على عمل هيئة النزاهة، لأنه لا يسلبها اختصاصها في التحري والتحقيق وجمع الأدلة، بل قد يوكل العمل اليها بهذا العنوان وليس غيره ليدعم عمل القضاء والنزاهة معًا، لأنه يقدم لهما صورة مالية أكثر دقة عن محل الجريمة ومقدار الضرر والمال الواجب استرداده حيث إن قرار محكمة التمييز الاتحادية المشار إليه، حين أوجب التحقق من الممثلين القانونيين للجهات الحكومية المتضررة ومقدار الضرر والتسديد، يفتح الباب منطقيًا لهذا المقترح، فإذا كان الشمول بالعفو يتوقف على معرفة الضرر، وإذا كانت التسوية تتوقف على تسديد كامل المبلغ، فإن التحقق المالي يصبح مقدمة ضرورية لا كمالاً إجرائيًا، فالعدالة هنا لا تقاس بمجرد دفع مبلغ، وإنما بمدى مطابقة هذا المبلغ لحقيقة المال العام الذي خرج من ذمة الدولة.
إن التسوية المالية في جرائم المال العام لا تستقيم قانونًا من غير تحديد دقيق لمقدار الضرر. ولا يمكن القول بوجود تسوية ضامنة لاسترداد المال العام إذا لم يسبقها أو يرافقها فحص مالي يكشف حقيقة المال المنهوب أو المسروق أو المختلس أو المتحصل من الجريمة وخلاصة القول التي يمكن الاتكاء عليها هنا هي لا تسوية مالية صحيحة في جرائم المال العام بلا تحقيق مالي كاشف، ولا شمول بالعفو قبل تحديد الضرر الحقيقي، ولا استرداد كاملًا للمال العام إذا بقيت المنافع المستترة خارج نطاق الفحص والتتبع.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!