وقال اللامي، في مقابلة مع الوكالة الرسمية إن “المحكمة الجنائية العراقية العليا تأسست العام 2005 بموجب القانون رقم (10) لسنة 2005، وهي امتداد للمحكمة التي أسسها مجلس الحكم العام 2003 تحت مسمى المحكمة العراقية الجنائية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية، والتي كانت تقتصر أعمالها على مرحلة التحقيق فقط".
وأضاف أن "المحكمة، وبعد انتخاب الجمعية الوطنية عام 2005، أصبحت تستند إلى تشريع وطني تحت مسمى المحكمة الجنائية العراقية العليا، وأُلغي بموجب ذلك القانون المحكمة المشكلة وفق القانون رقم (1) لسنة 2003".
وأوضح أن "المحكمة تتكون من هيئة تحقيقية تضم ثلاثة قضاة وثلاثة أعضاء من الادعاء العام، ومحكمة جنايات تضم خمسة قضاة وثلاثة أعضاء من الادعاء العام، إضافة إلى هيئة تمييزية تتكون من تسعة قضاة".
وأشار إلى أن "المحكمة بقيت مرتبطة إدارياً بمجلس الوزراء حتى صدور القانون رقم (35) لسنة 2011، الذي فك ارتباطها بالمجلس وربطها بمجلس القضاء الأعلى، لتصبح منذ عام 2012 ضمن تشكيلات مجلس القضاء الأعلى"، مبيناً أن "ذلك جاء انسجاماً مع مبدأ الفصل بين السلطات، بما يعزز استقلالية القضاء وحيادتيه".
وأكد اللامي أن "المحكمة حاكمت منذ تأسيسها عدداً من رموز النظام السابق، وصدر نحو 20 حكماً بالإعدام عندما كانت مرتبطة بمجلس الوزراء"، لافتاً إلى أنها "أصبحت بعد عام 2012 محكمة متخصصة وقضاتها معينون وفق قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل، ومرتبطون إدارياً بمجلس القضاء وقرارتها غير قطعية بل قابلة للطعن أمام مجلس القضاء الأعلى وهي كحال المحاكم الأخرى التي بعضها متخصص بالنزاهة والجنايات".
وبيّن أن "العراق يضم محاكم جنايات متخصصة بقضايا الإرهاب والنزاهة والقضايا الجمركية، فيما تختص المحكمة الجنائية العراقية العليا بالنظر في جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية"، مؤكداً أن "قراراتها تخضع للطعن التمييزي أمام محكمه التمييز الاتحادية، وجميع قضاتها عراقيون ومعينون وفق قانون التنظيم القضائي".
"الجرائم ومرتكبيها"
وأوضح أن "قانون تشكيل المحكمة لم يحدد أسماء أشخاص لمحاكمتهم، وإنما حدد الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها، وهي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية"، مؤكداً أن "كل من تثبت بحقه هذه الجرائم يحال إلى المحكمة".
وأضاف أن "المحكمة لا تحاكم كل من شغل منصباً تنفيذياً أو أمنياً أو حزبياً في النظام السابق، وإنما تنظر في القضايا التي تتضمن شكاوى تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو إبادة جماعية"، مشيراً إلى أن "المحكمة سبق أن أفرجت عن وزير سابق، وكذلك عن شخص شغل منصباً أمنياً وآخر شغل منصباً حزبياً، لعدم ثبوت ارتكابهم تلك الجرائم".
"أوامر القبض"
وأكد أن "الشكاوى الحديثة التي تتلقاها المحكمة أصبحت قليلة جداً، إلا أنها لا تزال تنظر في آلاف القضايا، إذ يوجد حالياً نحو 3300 أمر قبض لم تنفذ حتى الآن بحق أشخاص ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في زمن النظام السابق".
وأشار إلى أن "جميع الدعاوى التي تنظر فيها المحكمة تتعلق بالفترة الممتدة من 17 تموز 1968 ولغاية الأول من أيار 2003"، لافتاً إلى أن "الدستور نص على استمرار عمل المحكمة لحين انتهاء جميع أعمالها".
وأوضح أن "هناك خللاً في تنفيذ أوامر القبض، فضلاً عن وجود عدد من المتهمين خارج العراق، مما يستوجب تنظيم ملفات استرداد المطلوبين عبر الإنتربول أو الشرطة العربية"، مبيناً أن "إجراءات الاسترداد تواجه تحديات عديدة، منها اشتراط بعض الدول معرفة نوع العقوبة، أو تقديم ضمانات بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام، فضلاً عن مشكلات ازدواج الجنسية وعدم وجود اتفاقيات لتسليم المطلوبين مع بعض الدول".
وأضاف أن "المحكمة تصدر أوامر بحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهمين، وفق القانون الذي نص على حجز الأموال المنقولة والعقارية للمتهمين كوسيلة إجبار لتسليم أنفسهم للسلطة، وتعمم تلك القرارات على وزارة المالية ودوائر التسجيل العقاري، التي تخاطب بدورها دوائر التسجيل العقاري لتنفيذ الحجز، وفي بعض الحالات يتم إلقاء القبض على المطلوبين عند مراجعتهم لممتلكاتهم".
"عدد المحكومين"
وكشف عن أن "عدد المحكومين منذ تأسيس المحكمة وحتى اليوم بلغ 160 محكوماً، من بينهم 26 محكوماً بالإعدام، منها 20 حكماً صدرت عندما كانت المحكمة مرتبطة بمجلس الوزراء، و6 أحكام بعد ارتباطها بمجلس القضاء الأعلى، فيما بلغ عدد المفرج عنهم نحو 270 شخصاً".
وأكد اللامي أن "المحكمة غير مختصة بقضايا الانتماء إلى حزب البعث المحظور بعد العام 2003، إذ إن هذه القضايا تدخل ضمن اختصاص المحكمة المركزية وفق قانون حظر حزب البعث الصادر عام 2016"، موضحاً أن "من كان يشغل منصباً حزبياً قبل عام 2003 ولم يرتكب جريمة ضد الإنسانية لا يحاكم أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا".
وأشار إلى أن "جمع الأدلة وإثبات الجرائم يمثلان أكبر التحديات التي تواجه المحكمة، بسبب مرور سنوات طويلة على وقوع الجرائم، الأمر الذي يتطلب الموازنة بين عدم إفلات المجرمين من العقاب وعدم إدانة أي متهم استناداً إلى أدلة غير موثوقة".
"الشهادات المتأخرة"
وأضاف أن "المحكمة تتعامل بحذر مع الشهادات المتأخرة كونها بعد فترة طويلة على سقوط النظام وتشكيل المحكمة، خاصة إذا لم تقدم إلا بعد سقوط النظام، وهي اقل كفاءة قانونية من التي دونت فور سقوط النظام لأسباب تقدرها المحكمة، لاحتمال تعرضها للتلقين أو النسيان مما يقلل من قيمتها القانونية مع مرور الزمن"، مؤكداً أن "المحكمة تعتمد على الوثائق الرسمية التي جُمعت من الأجهزة الأمنية بعد سقوط النظام، إضافة إلى وثائق هيئة السجناء السياسيين، وما يرد إليها من أجهزة الدولة، ومنها جهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات، فضلاً عن اعترافات المتهمين التي تعززها الأدلة والوثائق".
"إرشيف الجرائم"
وأضاف أن "المحكمة لا تزال تتلقى معلومات ووثائق جديدة عن بعض الجرائم، وتباشر بإجراءات التحقيق والمحاكمة بشأنها، وأن الوثائق التي تعتمدها المحكمة مودعة لدى الارشيف الخاص بها الى جانب وثائق الأمن والمخابرات وغيرها من الأجهزة الأمنية والتنفيذية"، مستشهداً "بقضية نظرت فيها المحكمة خلال العام الماضي لامرأة أدينت بالسجن المؤبد بعد ثبوت قيامها بالإبلاغ عن زوجها إلى الأجهزة الأمنية في زمن النظام السابق، ما أدى إلى الحكم عليه بالإعدام، وقد وردت القضية إلى المحكمة عن طريق هيئة السجناء السياسيين استناداً إلى وثائق رسمية".
"صدام وجرائمه"
ونوه اللامي، الى أن "التهم المنسوبة للمدان صدام حسين كانت كثيرة، إلا أن الأدلة اكتملت في قضية الدجيل، وصدر الحكم فيها، ووفقاً للقانون تتوقف الإجراءات القانونية ببقية الدعاوى بعد تنفيذ الحكم، رغم وجود قضايا كثيرة تخص جرائم أخرى".
"اغتيال السيد الشهيد محمد باقر الصدر"
وأضاف أن "قضية اغتيال السيد الشهيد محمد باقر الصدر أثبتت استمرار حالة الخوف لدى بعض المتهمين حتى بعد سقوط النظام، إذ تردد أحدهم في ذكر اسم صدام، وعندما سألت المحكمة في دور المحاكمة عن الجهة التي أصدرت أمر الإعدام أجاب بأنها رئاسة الجمهورية، وعندما سألته عن الرئيس اخذ يتردد بالإجابة ويلتفت يمينا ويسارا وادعى أن الرئيس كان أحمد حسن البكر، رغم أن رئيس الجمهورية آنذاك وقت الجريمة كان صدام، مما يعكس حاله الهلع الذي زرعها صدام في نفوس رجاله".
وأشار إلى أن "المتهم سعدون صبري الذين أدين بقتل السيد محمد باقر الصدر، ذكر خلال التحقيقات مسؤولية طاهر جليل الحبوش، الذي كان يشغل منصب مدير الأمن العام ورئيس جهاز المخابرات في النظام السابق، عن حادث قتل المرجع الديني السيد محمد صادق الصدر".
طاهر الحبوش أبرز المتورطين باغتيال الشهيد الصدر الثاني
وكشف اللامي عن أن "المتهم سعدون صبري أفاد بأنه كان موجوداً في فندق الرشيد خلال شهر آذار 1999، عندما استدعاه مدير الأمن العام طاهر جليل الحبوش، وأثناء وجوده تلقى الحبوش اتصالاً هاتفياً أُبلغ خلاله بمقتل السيد محمد محمد صادق الصدر ونجليه، ثم كلفه بالتوجه إلى محافظة النجف وتسلم منصب مدير أمنها، بالتزامن مع فرض طوق أمني على المدينة من قبل الحرس الجمهوري".
وأضاف أن "المتهم ذكر أيضاً أن التحقيق في الجريمة تولته مديرية أمن بغداد بإشراف طاهر جليل الحبوش، وأن أحد المشتبه بهم اعتقل ثم أطلق سراحه لاحقاً، كما أكد أن مدير الأمن العام كانت لديه معلومات كاملة عن منفذي الجريمة".
وتابع أن "هذه الاعترافات تتضمن إقراراً بأن طاهر جليل الحبوش أُبلغ مباشرة بعملية الاغتيال، فيما تبنى المتهم سعدون الرواية الرسمية للنظام السابق بشأن الحادث، حينما ذكر ان الحبوش أطلق سراح أحد الأشخاص المشتبه بهم بالقتل الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن طبيعة دور الحبوش في القضية".
وأكد أن "المحكمة حاكمت المتهمين بقتل مقلدي المرجع محمد صادق الصدر والمصلين في صلاة الجمعة بمدينة الصدر، بعد تعرضهم للاعتقال والتعذيب والإعدام، وصدر بحق المدانين حكم بالإعدام، لأحدهم وكان النائب السابق فلاح شنشل وأفراد عائلته أحد ضحايا المحكومين".
وأضاف أن "الملاحقة القضائية لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية مستمرة لأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم وفق القانون العراقي".
"قضية عجاج والمقابر الجماعية"
وأوضح اللامي أن "ضحايا قضية عجاج كانوا من الناجين من القصف الكيمياوي والهجوم العسكري على مناطق الشمال، إلا أنهم اعتقلوا من قبل الوحدات العسكرية وعوملوا كمتهمين أو معارضين للنظام السابق رغم أنهم مدنيون عزل".
وأشار إلى أن "المعتقلين نقلوا إلى عمق الصحراء في جنوب العراق، حيث فصلت النساء والأطفال عن الرجال وأحيانا تتفرق العائلة الواحدة، وبدأت بحقهم سياسة تجويع ممنهجة بقصد قتلهم وتقليص أعدادهم، بحسب اعترافات المتهم عجاج والمشتكين".
وأضاف أن "المعتقلين تعرضوا للقتل والتعذيب والإذلال واغتصاب النساء، فيما كانت النساء اللواتي يرفضن الاستجابة للمتهم يتعرضن للتعذيب او التهديد بالقتل، كما أن عمليات التعذيب طالت حتى الأطفال الذين كانوا يضربون بالكيبلات".
وتابع أن "الجوع والعطش وارتفاع درجات الحرارة خلال شهر تموز أدى إلى وفاة عدد كبير من المحتجزين، وكان السجناء يجبرون على نقل الجثث ودفنها خارج السجن، إلا أن صلابة الأرض كانت تحول دون حفر القبور كون المنطقة صخرية، فتغطى الجثث بالصخور، لتنهشها الكلاب السائبة ليلاً".
وكشف عن أن "محكمة التمييز الاتحادية صادقت على حكم الإعدام بحق عجاج، وأن الإجراءات حالياً لدى رئاسة الجمهورية".
"صلاحيات رئاسة الجمهورية"
وأكد اللامي أن "رئاسة الجمهورية لا تملك دستورياً، أو قانونياً صلاحية تعديل، أو تخفيف، أو إلغاء أحكام الإعدام الصادرة عن المحكمة الجنائية العراقية العليا، وإنما يقتصر دورها على إصدار المرسوم الجمهوري الخاص بتنفيذ الحكم".
وأوضح أن "المادة (27) من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا تنص صراحة على عدم جواز تخفيف العقوبة أو إلغائها من قبل رئيس الجمهورية أو أي جهة أخرى".
وأضاف أن "المحكمة الاتحادية بقرارها المرقم 28 لسنة 2007 أشارت ضمناً الى أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الجنائية العراقية العليا تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم تعد دولية لا يجوز شمولها بالعفو الخاص".
وأشار إلى أن "رئيس الجمهورية لا يملك أيضاً إصدار عفو خاص عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، فضلاً عن جرائم الإرهاب والفساد المالي والإداري"، مؤكداً أن "جميع أحكام المحكمة الجنائية العراقية العليا غير مشمولة بقوانين العفو العام التي صدرت منذ عام 2003".
"ضحايا قضية عجاج"
وبيّن اللامي أن "عدد المشتكين في القضية بلغ نحو 227 مشتكياً، فيما توفي آخرون قبل تسجيل شكاواهم"، لافتاً إلى أن "المحكمة توصلت إلى وجود 1068 ضحية توزعوا بين قتلى ومختفين قسرياً ومعذبين ونساء تعرضن للاغتصاب".
وأضاف أن "المتهم اعترف بأن عدد المحتجزين تجاوز ثلاثة آلاف شخص جميعهم من القومية الكردية، فيما لا يزال مصير عدد كبير منهم مجهولاً".
وأشار إلى أن "المتهم أرشد القوات الأمنية إلى مواقع المقابر الجماعية القريبة من السجن، وعُثر على رفات في أحد المواقع، إلا أن أعمال النبش توقفت تطبيقاً لقانون حماية المقابر الجماعية، وأُحيل الملف الى هيئة حماية المقابر الجماعية".
"قضايا أخرى"
وأكد اللامي أن "المحكمة لا تنظر إلى حجم الاهتمام الإعلامي بالقضايا، بل تنظر إلى الأدلة والوقائع"، موضحاً أن "هناك قضايا أخرى لا تقل أهمية عن قضية عجاج، من بينها قضية اغتيال المرجع الشهيد محمد باقر الصدر، التي تضمنت اعترافات مفصلة استمرت أكثر من ثلاث ساعات في دور المحاكمة، وانتهت بإصدار أحكام بالإعدام نُفذت بحق المدانين".
وأضاف أن "المحكمة نظرت أيضاً في قضايا إبادة جماعية وجرائم أخرى خلفت مئات الضحايا، وصدر فيها عدد من أحكام الإعدام".
"حجز الأموال"
وأوضح اللامي أن "إجراءات الحجز على أموال المتهمين تتوقف عند وفاة المتهم، كما أن المحكمة لم تعد تصدر تلقائياً قرارات بمصادرة الأموال بعد ارتباطها بمجلس القضاء الأعلى، خلافاً لما كان معمولاً به سابقاً عندما كانت مرتبطة بمجلس الوزراء".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!