RSS
2026-05-04 16:28:13

ابحث في الموقع

حزام أخضر "بلا تمويل" ومعامل "بلا فلاتر".. حكاية بغداد مع التلوث بـ"8" أضعاف المعايير العالمية

حزام أخضر "بلا تمويل" ومعامل "بلا فلاتر".. حكاية بغداد مع التلوث بـ"8" أضعاف المعايير العالمية
تتقاطع الرؤى حول الواقع البيئي في العاصمة بين المسارات الرقابية والتشخيص العلمي، حيث يؤكد مجلس محافظة بغداد، على أن مشروع الحزام الأخضر لا يزال محدوداً ومتعثراً بسبب تذبذب التخصيصات المالية وضعف التنسيق، فيما يحذر خبراء بيئيون من أن وتيرة الحلول الحكومية الحالية لا توازي حجم الأزمة المتفاقمة نتيجة الانبعاثات الصناعية وظاهرة الانقلاب الحراري.

حزام أخضر

وتقول عضو مجلس محافظة بغداد هدى جليل العبودي، إن ”ما تحقق من مشروع الحزام الأخضر في بغداد ما يزال محدوداً ولا يعكس حجم الحاجة البيئية للعاصمة، حيث أن بعض المقاطع شهدت أعمالاً فعلية لكنها تبقى متقطعة وغير مكتملة، ولم تتحول إلى حزام متصل وفعال”.

وتضيف، أن ”السبب الأبرز للتأخر يتمثل في عدم انتظام إطلاق التخصيصات المالية الخاصة بالمشروع، إذ تدرج أحياناً في الموازنات لكنها تتأخر في الصرف أو تُجزأ بشكل لا يسمح بتنفيذ مستدام”، مشيرةً إلى ”وجود ضعف في التنسيق بين أمانة بغداد والجهات القطاعية الأخرى، فضلاً عن مشاكل تتعلق بتخصيص الأراضي وشح المياه اللازمة للإدامة”.

وأعلنت أمانة بغداد، في (17 أيلول 2025)، أن نسب إنجاز مشروع الحزام الأخضر وصلت إلى أكثر من 80%، مشيرة إلى استخدام أنظمة الأتمتة للتحكم بالري وزيادة المساحات الخضراء وزراعة أشجار معمرة تناسب أجواء بغداد الحارة.

وقال المتحدث باسم أمانة بغداد عدي الجنديل، إن المشروع وصل إلى مراحل متقدمة جداً، وإن الأعمال الجارية تشمل محطة التصفية الخاصة بسقي النباتات، حيث ستعتمد على مياه الصرف الصحي بعد معالجتها بدلاً من المياه الطبيعية بسبب شح الإطلاقات المائية.

وأضاف، أن المحطة جاهزة بنسبة 100% وتقع في منزل الصقالوية، حيث تعالج المياه وتخزن في أحواض قريبة، ثم تنقل عبر شبكة أنابيب بطول 7 كيلومترات إلى المنطقة الدهينة الواقعة بين بلدية المنصور وبلدية أبي غريب، على مساحة 940 دونماً.

وأكد أن المنطقة ستتحول إلى غابةٍ حضريةٍ ترفيهية للعوائل البغدادية، وفي المرحلة الأولى ستزرع الأمانة 250 ألف شجرة.

خلل في الأولويات

وتوضح العبودي، أن ”وتيرة التنفيذ الحالية في بغداد لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الأزمة البيئية، في ظل ارتفاع مستويات التلوث وتزايد العواصف الترابية ودرجات الحرارة”، مؤكدةً أن “هذا يعكس خللاً واضحاً في إدارة الملف وترتيب الأولويات”.

وتبين، أن ”المشكلة لا تقتصر على التمويل فقط، بل تشمل أيضاً غياب خطة تنفيذية متكاملة تترجم إلى إجراءات ميدانية سريعة ومستمرة داخل العاصمة”.

الرقابة والمتابعة

وتشير عضو مجلس محافظة بغداد إلى أنه ”تم اتخاذ خطوات رقابية مباشرة شملت متابعة ملف التخصيصات المالية مع وزارة المالية وأمانة بغداد، وطلب تقارير تفصيلية عن نسب الإنجاز والمعوقات لكل مشروع، إلى جانب عقد اجتماعات مع الجهات التنفيذية للتأكيد على ضرورة تسريع إطلاق الأموال وتبسيط الإجراءات”.

وتؤكد، أن ”هناك توجهاً للضغط باتجاه استغلال ما تبقى من الوقت لبدء أو استكمال حملات التشجير”، محذرةً من أن ”عدم حسم ملف التمويل بشكل فعلي وسريع سيؤدي إلى فقدان بغداد فرصة جديدة لتحسين وضعها البيئي خلال هذا العام”.

وشهدت بغداد خلال الشتاء الماضي موجات تلوث حادة أعادت ملف جودة الهواء إلى الواجهة، بعدما تحولت سماء العاصمة إلى ما يشبه الغطاء الضبابي الكثيف، فيما لم يكن ذلك ضباباً طبيعياً بقدر ما كان تراكم ملوثات محبوسة قرب سطح الأرض.

وحينها، حذر مرصد “العراق الأخضر” البيئي، في (30 تشرين الثاني 2025)، من ارتفاع خطير في مستويات تلوث الهواء داخل بغداد.

وذكر المرصد، في بيان، أن ثاني أوكسيد النيتروجين NO2 يعد من أبرز الملوثات في أجواء بغداد، إذ يتسبب بتهيج العين والجهاز التنفسي، وقد يؤدي التعرض الطويل له إلى أمراض القلب والأوعية الدموية.

كما أشار إلى وجود ثاني أوكسيد الكبريت SO2 في الأجواء العراقية، وهو عنصر أساسي في تكوين الأمطار الحمضية، ويتسبب بالغثيان والقيء والام المعدة، فضلاً عن تأثيرات خطيرة في الشعب الهوائية والرئتين.

وبحسب المرصد، فإن مؤشر جودة الهواء AQI في بغداد سجل خلال أيام كثيرة مستويات تراوحت بين 150 و200 نقطة، وهي قيم تصنف بأنها غير صحية إلى غير صحية جداً، بسبب سيطرة الجسيمات الدقيقة PM2.5.

وكشف المرصد، أن المؤشر قفز في إحدى الليالي إلى 380 نقطة، وهو مستوى يفوق مرحلة الخطورة بكثير، فيما بلغ متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة PM2.5 خلال عام 2024 نحو 40.5 ميكروغرام/م، أي أكثر من ثماني مرات الحد المسموح به عالمياً والبالغ 5 ميكروغرام/م.

كما تصدرت بغداد، في (25 تشرين الثاني 2025)، قائمة المدن الأكثر تلوثاً في العالم، بعد يومين متواصلين من انتشار السحب الدخانية الكثيفة، فيما أعلنت قيادة عمليات بغداد إغلاق مداخل معسكر الرشيد للحد من التلوث البيئي الناتج عن الحرق العشوائي.

الانقلاب الحراري

ويقول الباحث البيئي أحمد صالح نعمة، إن ”ظاهرة الانقلاب الحراري تمثل مرحلة فاصلة بين الشتاء والصيف”، مبيناً أن ”قصر فصل الربيع في العراق يؤدي إلى بقاء سطح الأرض بارداً، ما يحد من تشكل تيارات الهواء الصاعدة التي تنقل الأبخرة والغازات إلى طبقات الجو العليا”.

ويضيف، أن ”ذلك يؤدي إلى بقاء الملوثات قريبة من سطح الأرض، وهو ما يفسر الروائح الكبريتية التي شهدتها بغداد، إلى جانب تصاعد الدخان في عدد من المحافظات”.

حلول ناقصة

ويرى نعمة أن ”الحلول المطروحة حالياً لا تتناسب مع حجم المشكلة المتراكمة منذ سنوات، كما أنها بدأت بشكل متأخر وبوتيرة بطيئة، ما يجعلها جزءاً من الحل وليس معالجة شاملة”.

ويشير إلى أن ”التشجير يمثل أحد الحلول المهمة، لكنه يتطلب تطبيقا متكاملاً وعلى نطاق واسع”، مؤكداً أن “الاقتصار على بغداد لا يكفي، لأن مصادر العواصف الغبارية تمتد إلى محافظات أخرى، بل وحتى إلى دول الجوار”.

مصادر التلوث

ويلفت الخبير البيئي إلى أن ”الأشجار لا تقتصر فائدتها على ترسيب الغبار، بل تسهم في إنتاج الأوكسجين، وامتصاص ثاني أوكسيد الكربون، وخفض درجات الحرارة، وتوفير نظام بيئي متكامل”.

ويشدد على أن ”الإجراءات العاجلة تتطلب تفعيل قوانين المحددات البيئية”، منوهاً إلى أن ”وزارة البيئة جهة رقابية وليست تنفيذية، ما يجعل المسؤولية تقع على عاتق الوزارات التنفيذية”.

ويتابع، أن ”من أبرز مصادر التلوث الانبعاثات الكربونية والغازية الناتجة عن معامل الطابوق، ومصانع صهر المعادن غير المرخصة، إضافة إلى محطات إنتاج الطاقة ومصافي النفط والغاز”.

ويؤكد، أن ”الحل السريع يكمن في فرض العقوبات على الجهات المخالفة، وإلزامها بتحديث أنظمة الفلترة للحد من الانبعاثات، بما يسهم في تقليل التلوث وتحسين الواقع البيئي”.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز تساؤلات مقلقة: هل ستستمر بغداد في استنشاق هذا الهواء الملوث؟ وهل سيبقى التعاطي الحكومي ضمن دائرة الصمت والتأخر؟ ومع اقتصاد هش، وبنية تحتية متراجعة، ومنظومة طاقة مثقلة بالأزمات، يبدو أن أبسط مقومات الحياة بات مهدداً.




المصدر: العالم الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!