RSS
2026-03-18 15:16:42

ابحث في الموقع

صناعة الأزمة وانعدام الثقة في الدولة الهشّة

صناعة الأزمة وانعدام الثقة في الدولة الهشّة
بقلم: د. نور خالد - باحثة وأكاديمية

تُعدّ الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع إحدى الركائز الأساسية لاستقرار أي نظام سياسي، وتمثل الحكومات الواجهة التنفيذية للدولة وأداة تفاعلها المباشر مع المجتمع. غير أنّ هذه الثقة تتعرض للاهتزاز حين تفشل السلطة في الإصغاء إلى مطالب الفئات الاجتماعية، ولا سيّما تلك التي شكلت تاريخياً جزءً من البنية المستقرة للدولة. ويلاحظ في الحالة العراقية أن هذا التآكل في الثقة لم يعد ظاهرة ظرفية، بل أصبح نمطاً متكرراً في علاقة الدولة بقطاعاتها المهنية. 

  وحين تمتدّ المظاهرات إلى شرائح تعليمية داخل مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، فإن المسألة لا تعود مقتصرة على مطالب معيشية أو إشكالات إدارية عابرة، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بفقدان الثقة بالحكومة وغياب آليات الإصغاء والاستجابة. فهذه الفئات لا تختار الشارع وسيلة للتعبير أولاً، لكنها تضطر للبحث عن طرق بديلة لإيصال مطالبها عندما تفشل المؤسسات في الاستجابة، ويغيب التفاعل الجاد مع مطالبها ضمن الإطار الرسمي. ويرتبط ذلك بطبيعة النظام الإداري الذي يتسم بالمركزية الشديدة، وضعف في التفاوض المؤسسي، ما يجعل القرار المالي يبدو كأنه فعل سلطوي لا إجراء تنظيمي.

  وتُعدّ المؤسسات التعليمية عاملاً محورياً في تحقيق التوازن بين السلطة والمجتمع، لما تحمله من دور معرفي ورمزي في إنتاج الوعي وإضفاء الشرعية. وعليه، فإن تهديد استقرار هذه المؤسسات ينعكس مباشرة على استقرار الدولة نفسها، ويؤدي إلى خلق حالة من النزاع الاجتماعي، تضعف هيبة الحكومة وتسهم في تآكل مشروعيتها المؤسسية. أي بمعنى لا يتعلق الأمر بضعف الدولة بالمفهوم الأمني، بل بهشاشتها المؤسسية، أي عجزها عن إنتاج قرارات تحظى بالقبول الاجتماعي داخل مؤسساتها نفسها.

في ضوء ذلك، تتحول المظاهرات من ردّ فعل آني/ وقتي إلى ظاهرة متكررة تكاد تنحصر في شرائح اجتماعية محددة، الأمر الذي يجعلها مؤشراً على طبيعة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات أو إعادة إنتاجها. إذ يكشف هذا التكرار عن خلل بنيوي في آليات التمثيل السياسي، وانسداد في الحوار المؤسسي، وتحول الشارع إلى أداة تعبير بديلة في ظل دولة عاجزة عن الإصغاء. وضعف احترام البعد الاجتماعي للمواطن يفاقم شعور الفئات المتضررة بعدم الاستقرار الوظيفي والضغط الاقتصادي. كما أن التعامل مع القرارات الإدارية بمعزل عن آثارها المعيشية يولد لدى الأفراد إحساساً بتجاهل مكانتهم الوظيفية وتآكل أمنهم الاقتصادي، ويؤدي إلى تراكم الاحتقان والتوترات النفسية والاجتماعية.

وهذا كله لا يمكن فصل ذلك عن المسار العام الذي شهده العراق منذ عام 2003 أي على مدى عقدين من الزمن، حيث تراكمت الأزمات الاقتصادية المالية والإدارية وتراجعت قدرة الدولة على إدارة التزاماتها دون المساس بالفئات الوظيفية المنظمة.

فالدولة القوية لا تصنع الأزمة، بل تحتويها عبر مؤسسات فاعلة وآليات استجابة عقلانية؛ أي إن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إدارة التوترات الاجتماعية وتحويل المطالب إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ. والعكس من ذلك، فإن الدولة التي توصف بالهشّة أو الرخوة، وفق مؤشرات الهشاشة المؤسسية، تتسم بضعف القدرة على إدارة التوترات الاجتماعية وغياب فعالية قنوات التواصل والحوار المؤسسي بين الدولة والمجتمع، فضلاً عن ضعف آليات الاحتواء، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على امتصاص التوترات الاجتماعية ويحولها إلى أزمات متكررة، ما يجعلها عرضة للتحول إلى منتج دائم للاحتجاجات نتيجة عجزها عن قراءة التحولات الاجتماعية والتعامل معها بصورة استباقية. ولذلك يظهر هذا الخلل بوضوح في الحالات التي تتحول فيها القرارات الإدارية البسيطة إلى بؤر توترات اجتماعية متكرر.

ويتجلى هذا الخلل بوضوح في احتجاجات موظفي قطاع التعليم العالي على خلفية قطع مخصصات الخدمة الجامعية. فهذه الاحتجاجات لم تنشأ عن قرار مالي معزول، بل جاءت نتيجة غياب الحوار المسبق، وضعف الشفافية، وانعدام المعالجة الحقيقة. وهكذا تحول الإجراء الإداري إلى توتر اجتماعي دفعت شريحة مستقرة نسبياً إلى الشارع.

ويكشف ذلك عن ضعف تقدير الأثر الاجتماعي للسياسات المالية، إذ ينظر إلى القرار بوصفه معالجة محاسبية، بينما يدرك المتضررون آثاره بوصفها مساساً بمكانتهم الوظيفية ووضعهم الاقتصادي العام. 

وتكشف هذه الحالة عن خلل واضح في العلاقة بين الدولة والكوادر الأكاديمية والإدارية، التي يفترض أن تمثّل ركيزة للاستقرار. فالتعامل مع مطالبها بمنطق القرار الفوقي، لا بمنطق التشاركية، أسهم في تحويلها من فاعلين مؤسسيين إلى محتجين، ومن شركاء في إنتاج المعرفة إلى أطراف في صراع وتوتر إداري مفتوح.

وتكتسب هذه الاحتجاجات دلالة مضاعفة حين تؤدي إلى شلل مؤسسات التعليم العالي لأسبوع أو ربما يستمر أكثر من ذلك، إذ يشير ذلك إلى خلل بنيوي عميق في إدارة الدولة لمؤسساتها المعرفية، ويحول التعليم من فضاء لإنتاج الوعي إلى ساحة للاحتجاج، بما يعكس أزمة دولة قبل أن يكون أزمة قطاع معين او فئة. وإن استمرار هذا النمط من الإدارة لا يهدد قطاعاً بعينه، بل يعيد إنتاج فجوة الثقة بين الدولة ونخبها المعرفية، وهي فجوة يصعب ترميمها بالمعالجات الإجرائية وحدها.

وفي الواقع العراقي، تتفاقم هذه الإشكالية في ظل تراكم الأزمات وتداخل السياسي بالإداري، وما رافقه من تآكل تدريجي في الثقة بين الحكومة وقطاعات مهنية وأكاديمية كانت تُعدّ من ركائز الاستقرار المؤسسي. ومن ثم، فإن استعادة هيبة الدولة لا ترتبط بمعالجة قرار مالي بعينه أو اللجوء إلى معالجات ظرفية مؤقتة، بل بإعادة بناء نمط العلاقة بين الدولة والشرائح المهنية على أساس الحوار المؤسسي والتشاركية في صنع القرار، مع تقدير الأثر الاجتماعي للسياسات قبل إقرارها. لأن استمرار الإدارة الفوقية يعيد إنتاج الأزمة بوصفها نتيجة بنيوية لطبيعة الحكم، لا حادثاً إدارياً عابراً. 

وعليه، فإن هذه الاحتجاجات لا تكشف أزمة مؤسسة بعينها، بقدر ما تكشف حدود قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها المعرفية بمنطق تشاركي يضمن الشرعية والاستقرار معاً.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!