شاهد عيان
بسم الله الرحمن الرحيم
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) ـ النحل / 90
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام : ( لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا)
الشعوب بمختلف طبقاتها وانتماءاتها الفكرية والعقائدية وتباين توجهاتها إنها غالبا ما تتوق إلى العيش الكريم وللتمتع بكامل الحرية الشخصية والمجتمعية لتوفر لها العيش بكرامة وسعد ورغد وتبحث عن الإستقرار والطمأنينة وتسعى لتحقيق الديمقراطية وترسيخ مفاهيمها بالصيغ الصحيحة وتحرص على أن تبادر لاستلام زمام أمورها وتحقيق استقرارها بكل معاني الاستقرار وأنماطه لامتلاك الحرية وتكافح في إيجاد ضمان وافر لحقوقها وتطمح لأن تكون على تمام الاستطاعة والإقتدار لتقرير مصيرها بنفسها بمنع أي تدخل لأي جهة أو طرف لا ترغب بتدخلهم وترسخ ذلك بتحديها ومقاومتها بصلابة وصلف أي نوع من أنواع القيود التي تتطلب الخنوع والخضوع .
ومن الطبيعي والمألوف لدى المجتمعات أن هذا الأمر لا يروق للكثير من الحكام والسلاطين الدكتاتوريين ممن أتاحت لهم الغفلة أو اضطراب الظروف وتعاستها واستخدامات أساليب الغدر والخيانة أن يتسلطوا على رقاب الناس.
الشعوب تقرر مصيرها بنفسها
إنما مهما طال أمد بقائهم وبطشهم وظلمهم لابد من رحيل إلى الفناء إذ هم ما ديدنهم إلا اللجوء إلى القبضة الحديدية والحكم بالنار والحديد إن صح التعبير وقد اثبتت ذلك الأحداث والوقائع فبدلا من أن يكون الحاكم راعيًا أمينًأ يرعى مصالح أفراد شعبه ويصون لهم حريتهم الإنسانية ويسعى لحفظ حقوقهم ويضمن ممارساتهم الدينية والعقائدية عكس ذلك يكون أداة للقمع يستخدم كل وسائل وأساليب البطش والجور والظلم.
وغالبا ما تحتم الظروف على الشعوب أن ينتابها الخضوع والخنوع ولو لأمدِ ما.
مسيرة مددها البطش والإرهاب
لقد أتيح لللا نظام المباد أن يتسلم زمام الأمور عنوة وقسرًا وإكراهًا ولم يَدع سبيلا أو وسيلة من وسائل البطش والإرهاب إلا سخرها للحفاظ على ديمومته واستخدم كل وسائل القمع لأي حركة شعبية ظنًا منه بأن قمع الشعب سيمنحه كامل الإطمئنان لمواصلة بقائه مطمئنًا بكل سلام. وثمة قاعدة قام جلاوزته بتمريرها وترويجها وإشاعتها للتخويف والترهيب لإسكات الناس وحتى كتم الأنفاس تلك هي قاعدة (الحائط له آذان). من أجل أن يتوغل الخوف في أعماق نفوس الناس حتى وهم في بيوتهم. تلك قاعدة روج لها اللا نظام المباد من خلال جلاوزته ليكون على أتم الإستعداد والجاهزية لتنفيذ مآرب ومطالب الأباطرة والطغاة وتسهيل ممرات الدكتاتورية.
وجند الكثير ممن هم على استعداد للتخلي عن نقاء الضمير والتأهب لأن يدلوا بما يملكون للحكام للنجاة بأنفسهم حتى حين يكون على حساب قطع رقاب الأبرياء وسفك دمائهم.
جرائم يتعذر إحصاؤها
غالبا ما تحيا الشعوب مغلوبًا على أمرها. لأنها لا تمتلك ما تمتلك الحكومات من إمكانات للتصدي والقمع.
فقد فاضت بِرَكُ الدماء وتزاحمت الجرائم وعجز عن إحصائها المحصون والعادون حيث إن أي جزئية من أبسط وأقل جريمة من الجرائم لا يمكن حصر الحديث عنها لا في هذه الوريقات ولا بعدد أضعافها ومهما دَوَّن المؤرخون والمؤلفون من قصص وأحداث ووقائع لعل بعضها يوصف بأنه قطرة في بحر وعانى الشعب ما عانى حتى بلغ السيل الزبا وتجاوز التحمل حده وبدأ الصبر تتضاءل نسبه وينفد وراح المناضلون يتحينون الفرص للإقتناص واختيار موعد مناسب. حتى آن الأوان بما لم يتوقع أحد ما حصل.
وحل شهر شعبان يصاحبه شهر آذار ليشتركا بقدح زند الثورة وأعلنت ساعة الصفر لإنطلاق الإنتفاضة ولم يكن أحد قد حدد ساعة الصفر إنما ساعة الصفر تحددت بنفسها وكأن الجميع كان على موعد يترقب إشارة البدء.
ليلة مباركة تكشف عن الفجر الصادق
بما أن المرجع الديني السيد (أبو القاسم الخوئي) قدس سره كان يتوجه في كل ليلة جمعة إلى مدينة كربلاء المقدسة لأداء زيارة مرقد الإمام الحسين صلوات الله عليه.
من بين تلك الليالي كانت أول ليلة جمعة من شهر شعبان المعظم فقُدِرَ لها لأن تكون أول قدحة للزند حيث عندما خرج المرجع السيد الخوئي من العتبة العباسية المقدسة متجهًا نحو مقره في حسينية الخوئي في شارع صاحب الزمان عليه السلام كما في كل ليلة جمعة فما أن خرج للتوجه إلى مقره خرجت جماهير غفيرة مهرولة خلف السيارة التي تقله تهتف بعفوية وتلقائية ولكن بكل حماس وهمة وشجاعة أو ربما بقصد للإعلان عن قيام الإنتفاضة لكنها اكتفت بهتاف:( صلِ على محمد.. صلِ على محمد ) ثم تكررت الهتافات بالصيغة نفسها داخل الصحن الحسيني الشريف بل في الرواق قبالة الضريح المقدس وبفورة وغليان. ورغم أن الفاصلة بين هذا الحشد الجماهيري وبين انطلاق الانتفاضة كان لعدة أيام إنما كأن ذلك الهتاف كان إيذانا لبدء الانتفاضة في كربلاء المقدسة.
ويدخل النظام دور العناية المركزة
وأنطلقت الشرارة الأولى. وبما أن لكل ثورة كلمة سر أو علامة تخبر بالتأهب والبدء والتحفيز بالقيام بها أو أي نداء وهذا ما يحصل عند قيام كل ثورة أو إنتفاضة . ويبدو أن كلمة السر أو الإعلان للبدء والمشاركة بالإنتفاضة كانت عبارة : ( إجو ..إجو) وهي عبارة عفوية المقصود منها أن الثوار قد قدموا فهِبوا للمشاركة. وبعد الشرارة راح اللهيب يتسع استعدادا للإلتهام.
ولعل النظام بعد أن يئس من إيقاف الزحف الجماهيري حاول أن ينفخ في الرماد ليذريه في العيون ولكن دون جدوى ولولا وجود من يسكب الماء على النار لإخمادها أو على الرماد لكي لا يُذرى وإلا لَما استطاع النظام أن يلتقط أنفاسه.
العزم والتصميم أربك الأقربين والغرباء
بعد أن أذاعت الانتفاضة بيانها بالرفض التام لمقبولية اللا نظام أصدرت أمرًا بإمضاء وختم لسقوطه تماما وكادت تحدو به إلى الفناء . لولا سعي ومحاولات بعض الجهات لإخماد جذوة الانتفاضة والحث والتحفيز على نسفها بالقمع بكل عنف وقسوة لبث الروح في هيكل النظام لأسباب معينة وجرت محاولات كثيرة. ولكن يبدو أنه تطلب السقوط إلى إجراءات تكميلية لابد منها.
نعم كانت الإنتفاضة أشبه بأمر حتمي لموت النظام المقبور لكن بعد أن تم مده بيد العون من بعض الأنظمة تحول الأمر إلى موت سريري وبدأت الوقائع تنخر في جسده المنهك فحين لم يتح للانتفاضة تقليص عمر النظام وتقصيره والأمر برحيله تماما الذي كان امرًا محتوما إلا انه أُرجئ إلى أجل مسمى ومنحت الفرصة لبعض التنظيمات لتتأهب وتتأهل للقضاء على اللا نظام وإبادته وقد قضي الامر بذلك.
عزيمة وشعارات قلبت الموازين
ويبدو أن الشعارات التي رفعها المنتفضون أرعبت ليس أركان النظام وأزلامه حسب بل من هم على مقربة من منهجيته حتى في أماكن أخرى إذ راحت تلك الشعارات تبث إشارات زاغت بها بعض الأبصار من أطراف أخرى مما دعا لأن تمد تلك الأطراف يد العون للنظام وتستجيب لاستغاثته وتعينه على البقاء مدة أطول.
لذا فإن اللانظام المقبور أستخدم كل الوسائل ومختلف الأسلحة وربما استخدم أسلحة لا يستخدمها البعض حتى في أقسى الحروب لأنها اسلحة محرمة.
واختصارا نقول:
إنفردت هذه الانتفاضة بتدوينها في سجل الثورات الشعبية ولعلها لم تشابهها أية إنتفاضة شعبية عفوية وفي ظروف قاسية فصارت فاصلة تاريخية كشفت الستار عن عري النظام من كل مقبولية لدى الشعب
ومن المعالم التي تميزت بها تلك الإنتفاضة التي يحق لنا أن نزعم أن لا شبيه لها ولا نظير إذ ساهم في إنطلاقتها وتأجيجها الصغير والكبير النساء والرجال كل الفئات العمرية وبإدراك تام وكلٌ حسب ظرفه ومقدرته وما يستطيع أن يقدم من خدمة ومساهمة.
ولكربلاء الطفوف دورها الأكبر
ورغم أن كل أهلنا في الوسط والجنوب كان لهم الدور والقدح المعلى والنصيب الأكبر والأوفر في المشاركة في التصدي لقوات النظام إنما انفردت مدينة كربلاء المقدسة بالتحدي والتصدي الذي شهد له القاصي والداني وحتى ازلام النظام وأعوانه كما بلغ الجميع ذلك الأمر.
حيث شهدت معارك ضارية دونها التأريخ بسجله بنسيج من الذهب حقًا.
قدمت مدينة الإمام الحسين عليه السلام مدينة كربلاء المقدسة وهي تستمد القوة والعون من محاكاتها لبعض وقائع معركة الطف ولعلها كانت تسعى لتبرهن بأنها أتقنت الدرس جيدا في إقتدائها بأصحاب سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله عليه وعليهم فكان ما قدمته إنموذجا للدفاع عن العقيدة والمبادئ الحسينية وذلك ما شهد له القاصي والداني.
قدمت أعدادًا مضاعفة من الشهداء واشتبكت اشتباكًا مباشرًا مع قوات النظام بكل شجاعة وبسالة مما دعا لأن يضاعف النظام سعيه لإفراغ غله وصب جم غضبه على سكان هذه المدينة المقدسة وراح يفرغ كل حقده وضغينته عليهم ولم يكتفِ بذلك بل راح يشفي غله وغيظه بتوجيه دباباته ومدافعه وقذف القنابل نحو مرقد سبط رسول الله سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وسعى للتهديم ولتغيير المعالم ناسيا أن مرقد سيد الشهداء صلوات الله عليه مأواه ومستقره الأفئدة والأبصار.
للمقال خاتمة
الإنتفاضة الشعبانية المباركة قد يطول المقام في الدخول بتفاصيلها إنما اختصارا كانت انتفاضة أصدرت أمرًا بتقصير عمر النظام إن لم تكن بإنهائه.
أثبتت أن للجماهير الكلمة العليا وأنها عندما تعزم وتقرر بمقدورها أن ترسم طريقها بنفسها وأن تصنع ما تريد ولها أن تغير الحكام مهما تقمص الحكام بالدهاء واستعانوا بمنهج الدكتاتورية ومهما سلكوا وانتهجوا مناهج الظلم والجور والبطش فالشعوب أقوى من الدكتاتوريات
لقد سجلت الإنتفاضة الشعبانية سفرًا حافلا بالمآثر والمناقب
ونحتت في الذاكرات وخَطَّت في التقاويم أحرفًا وأرقامًا ورموزًا لسفرها لا يمكن أن تغادر ذاكرات الأحرار.
فسلاما لموعد إنطلاقها وسلاما لمرورها وسلاما لمن أطلقها وسلاما لمن استشهد من أجل أن يظل إشعاعها يتلألأ يتحدى الطغاة وكل مفاصل الإرهاب.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!