RSS
2026-01-01 18:59:16

ابحث في الموقع

كربلائية ديوان آل كمونة تتجسد في التراث الحسيني

كربلائية ديوان آل كمونة تتجسد في التراث الحسيني
بقلم: حسن كاظم الفتال

حالفنا الحظ أن يكون مسقطُ رؤوسنا الفردوسَ الحسيني البهي البهيج مدينةَ سيد الشهداء عليه السلام كربلاء المقدسة وأن نرتمي بحجور طيبها ونستنشق عبق الولاء الحسيني اللا مثيلَ له .ومع إبصارنا النور راحت تحتد بصيرتنا ويوما بعد يوم نزداد استمتاعا ونشوة وابتهاجا بطوافنا حول هذا الفردوس.

 فقد قادنا حسن الحظ والقدر الحَسَن إلى أن نتعقب آباءنا في ارتياد المجالس الحسينية حتى وإن كنا حينها لم نكن نقوى على تلمس تمام عظمة وهيبة وفضل وجلالة وقداسة المجلس الحسيني وما يؤول إليه من نتائج إنما كان ما ينبعث منه من شذرات إيمانية يحاكي فطرتنا السليمة ويتلاءم مع ما غرس فينا الآباء وما رضعتنا الأثداء من النقاء الحسيني العقائدي. حتى اكسبتنا السنين بمرورها ما يدعو للفخر والاعتزاز فأدركنا أن المناسك أو المراسم الدينية العقائدية الحسينية الكربلائية بدلالاتها ومعانيها ورمزيتها لا يحظى بنيل فخر ممارستها والتمظهر بها إلا من هو ذو حظٍ عظيم إذ أنها مدرسة تربوية تهذيبية روحية يحرز منها الفرد أفضل المعارف شريطة أن يكون مؤهلا نفسيا وروحيا وعقليا وضميريا للتقبل والتلقي والإستيعاب للتعلم والتوعية والثقافة والآداب العامة. وفي مقدمة كل ذلك الإطلاع الواسعُ والتعرف على مفاهيم ومضامين وجوهر مبادئ وقيم وخفايا وأسرار القضية الحسينية العظيمة وأهدافها . تلك القضية التي غذت عقول الأجيال ونمتها بانطباعات ودلالات ساقتهم إلى اعتماد عناصر الإصلاح الفردي والمجتمعي وتطبيقه.

ولعل أبرز ما اختص به هذا الفردوس الحسيني أو ما يميزه واشتهر به إقامةُ المجالس وإحياؤها من قبل أناس دوَّن التأريخ أسماءهم بحروف نورانية متوهجة خطتها العقيدة على فضاءات الخلود يتعذر حذفها أو ازالتها على مرور الزمن. 

مثلما أنجبت مدينة كربلاء المقدسة أفذاذا وجهابذة من العلماء والخطباء والأدباء والمثقفين والباحثين والمحدثين الذين حقَّ أن يشار لهم بالبنان دون منازع. مثل ذلك قد أدت هذه المجالس غرضَها ودورها الفاعلَ في إغناء الساحة الفكرية والعلمية والأدبية والثقافية وخَرَّجَت أجيالا من المتدرعين بثقافة عاشورائية متجددة شمولية. 

هذه المدينة أيسر ما يمكن أن يقال عنها بأنها مركز الاشعاع الفكري النير يزخر تأريخها المشرق بأبهى وأقدس وأجل توهجٍ لتراثٍ يصعب أن يمحى من ذاكرات الكربلائيين وقد أزدهرت بالحركة الأدبية الثقافية.

الدواوين وحضورها الفاعل

وهذه المدينة المقدسة لعلها إنفردت بخصائص وملامح وسمات واكتست وتزينت بمآثر تزاحمت بالشكل الذي ربما لم تفلح بحيازتها غيرُها من المدن. فقد ارتكزت ماهية تراثها البهي الثقافي الأدبي على انتشار الدواوين والمضائف وتعددها من تلك التي كانت مستقراً للعامة والخاصة وللأعيان والوجهاء وكانت أشبه بالمدارس التي تُخَرِج أصحابَ العلم والمعرفة .

ولا غرابة عندما توصف هذه الدواوين بأنها منابع للثقافة الأدبية منها والفنية والدينية ومختلف مراتب التوعية وحتى الأعراف العشائرية. استقت من هذه المنابع الأرواح والعقول السليمة المتفتحة المتوهجة . دأبت هذه الدواوين أن لا تقتصر على مواصلة أداء الدور المهم في تنمية الثقافة والوعي الفكري والأدبي وما لبثت أن خلقت بيئة فكرية توعوية ساهمت في ترسيخ المفاهيم الدينية والعقائدية وكذلك تعزيز أثر وقع التقاليد الإجتماعية وحتى العشائرية النبيلة الأصيلة والتعاطي الروحي معها. بل حتى تحولت إلى مواقع للاستجارة وطلب الاستعانة وسنأتي فيما بعد بالحديث عن هذه الجزئية. 

تتم في هذه الدواوين أجملُ الملتقيات وأنفعها وتقام الندوات وكانت ترتسم بها أجمل صور الود والمحبة والتعاون فضلا عن تبادل الآراء وطرحها بموضوعية وجدية وعقلانية يستمتع ويستأنس بها كل من يرتادُها.

وفيها كانت تتهاوى أعقد وأصعب المعضلات والمشاكل إن وجدت وإن كانت في الماضي نادرة الحدوث ومحدودة التوسع إنما كانت إن حصلت يُذوِّبُها رواد هذه الدواوين.

ديوان كمونة والريادية القيمية

من أبرز هذه الدواوين وأدومها بقاءً في هذا الزمن ديوانُ آل كمونة الذي عايشناه وعاصرناه منذ أن أبصرنا النور. 

وقد شُيِّد هذا الديوان عام ١٨٦٠ميلادية تم تأسيسه من قبل الشيخ عيسى بن إبراهيم بن موسى بن مراد آل كمونة بتوصية من المرجع حينها الشيخ كاشف الغطاء قدس سره على أثر هجمات عصابات الوهابيين المتتالية على مدينة كربلاء المقدسة والعتبات المقدسة واختير لأن تسند له تلك المهمة لما يمتلكه من شجاعة وفروسية ولتواجد عشيرة بني أسد بشكل مكثف في المدينة بغية توفير الحماية للمراقد المقدسة لذا شيده وأصبح الموقع الذي وجد فيه الديوان يحمل اسم (محلة آل عيسى).

وقد ابتدأ منه انطلاق موكب المخيم الذي كان يسمى موكب آل الشيخ، ثم آلت زعامة الاسرة الى الشيخ محمد كمونة الذي كان (ناظرًا عامًا) وسادنًا له حق الأشراف على جميع سدنة العتبات المقدسة ليخلفه من بعده نجله الشيخ مهدي كمونة الذي شغل منصب سادن العتبة الحسينية المقدسة ثم الى أخيه الشيخ محمد حسن كمونة الذي أدى دورا بارزا ومهما في التصدي للقوات العثمانية ودأب على تأمين السلام لمدينة كربلاء المقدسة وتولى المهمة من بعده نجله محمد علي كمونة الذي بدوره جعل التولية لنفسه ووضع وقفية الديوان وخصص موارد الصرف. ويبدو أنها لا زالت قائمة.  

ثم تولى الشيخ عبد الحسين كمونة ومن هذه الأسرة الكريمة لتؤول النوبة بعده لنجله الشيخ الدكتور علي عبد الحسين كمونة ليكون حقا وفعلا خير خلف لخير سلف.

وثمة تلميحة لابد من تدوينها وهي أن الشيخ فخري كمونة أصبح أول (متصرف للواء كربلاء) عندما كان يطلق على المحافظ متصرف وعلى المحافظة لواء. أي (أول محافظ للمدينة) وذلك بعد نهاية الاحتلال العثماني عام ١٩١٧. 

توهجية كربلائية الديوان

ديوان آل كمونة ربما قل ما تجد شخصا كربلائيا لا تختزن ذاكرته شيئا مما احتواه هذا الديوان. فهو رغم أن بنايته القديمة حملت تسمية نُقِشت بلوحة من الكاشي الكربلائي وتضمنت تسمية (ديوان آل كمونة) تلك الأسرة الكربلائية العريقة الغنية عن التعريف حقًا المنتمية إلى قبيلة بني أسد تلك القبيلة التي تشرفت بأن أقترن تأريخها بأشرف وأعظم وأجل واقعة وهي واقعة الطف.

رغم هذا التوصيف والإختصاص والإقتصار في التسمية. إنما اتخذه الكربلائيون الحسينيون مستودعا وملتقى لكثير من المراسم الدينية الخاصة والعامة وملتقى لإقامة الشعائر 

كان هذا الديوان مستقرا ومقرا لعقد الاجتماعات السياسية والدينية والعشائرية والتخطيط والتحضير للاستراتيجيات وحتى إعداد وتكوين وتعيين قيادات الانتفاضات ضد الظلم والظلمة .

وحتى تشكيل الحكومات. حيث شكلت فيه حكومة محلية لمساندة الثورة العربية ضد العثمانيين ومنه أخذت بعض شرارات لمتبنيات ثورة العشرين نصيبا كبيرا في هذا الديوان . 

وما يستحق الذكر والتدوين في سجل النشاطات الثقافية والفكرية مما جسده الشيخ أحمد بن هادي كمونة الذي شغل منصب وزير الثقافة عام 1962.

وفضلا عن إقامة الندوات الثقافية والأدبية والجلسات التي تصفى بها الخلافات وتُذَوَّب إن وجدت بين أشخاص أو فئات معينة يأتي ذاك بجهود الخيرين من أهل الديوان ومن المقربين لهم ومن بلحمتهم.

وإن هذا الديوان بنفوذه ونشاطاته وممارساته وأدائه الإجتماعي إن لم نقل قد انفرد بذلك فيحق لنا أن نقول لقد تكثف فيه كل ذلك وتصدر قائمة الأداء والفاعلية والأسباب متعددة. 

وبعد عام 2003 أيضا عقدت فيه الندوات الأدبية والسياسية وأقيمت المؤتمرات وحتى التحضيرات لتشكيل الحكومة المحلية وقد تسنم الشيخ علي عبد الحسين كمونة منصب محافظ كربلاء المقدسة في مرحلة من مراحل الحكومة المحلية، وقد أقمنا بعد 2003 الكثير من الندوات الثقافية والمهرجات الأدبية وغيرها، وفي حينها تشكل مجلس أهالي كربلاء الموحد، ومن ضمن إقامتنا للندوات الثقافية والمؤتمرات والتجمعات عقدنا اجتماعا لتأسيس ملتقى أو إتحاد للشعراء الحسينيين والرواديد أطلق عليه تسمية ( هيئة الشعراء والرواديد ) تيمنا بهيئة أسسها الشاعر الحسيني المرحوم كاظم المنظور.

ومنذ عقود وتقام فيه الشعائر الحسينية والمجلس الحسيني الدوري لشهري محرم وصفر وشهر رمضان وكذلك أيام الخميس على مدى سنوات.

ورغم أن إقامة المجلس الحسيني بعموميته حين إقامته وإحيائه بنية حسنة مخلصة تنثال منه غزارة الرحمة والخير والبركة وهو سبيل لنماء النعم إنما نتلمس لإقامته في هذا الديوان خصوصية وتميزا يسابق غيره من المجالس.

ولعل أحد أسباب جعله بهذه الكيفية إنموذجية الحرص على الحضور والإلتزام بالمواعيد المحددة.   

لقد كان موقعه بالقرب من التل الزينبي داخل السوق قبل أن يشمله واقع التوسعة واليوم مقره خلف موقع المخيم الحسيني وربما كان لموقعه أثرٌ ووقعٌ خاصٌ في نفوس الكربلائيين والوافدين إلى مدينة كربلاء المقدسة وجعله ملتقى الإخوة والأوداء لتجمعٍ كربلائي إنموذجي تنسكب فيه صبابات الذكريات ويقدح فيه التراث زند التوهج الكربلائي الحسيني الأصيل . 

أدام الله بقاء هذا الديوان لكربلاء المقدسة للحسينيين وجعله عامرا بأهله وبكل من يتواجد فيه أو يرتادُه.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!