
تمديد العراق لعقد تجهيز لبنان بمادة زيت الوقود “الفيول” لمدة 6 أشهر أخرى، دون معرفة مصير إيراداتها المالية، جاء متزامنا مع مطالبات سياسية بمراجعة عقد إمداد الأردن بالنفط مقابل أسعار تفضيلية، ما فتح الباب أمام أسئلةٍ لخبراء ومراقبين حول الجدوى الاقتصادية من تلك القرارات، في ظل تفسيرات نيابية تعزوها إلى اتفاقات وضغوط دولية أو مساعدات “أشقاء”.
وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني في بيان السبت الماضي، إن العراق وافق على تزويد لبنان بالوقود لمدة 6 أشهر، في تجديد لاتفاق يهدف إلى تخفيف النقص الحاد في الطاقة هناك، لدعم أمن واستقرار لبنان، لجانب الالتزام بالمساهمة في إعماره.
ويقول خبير النفط والطاقة كوفند شيرواني، إن “هذه الخطوة تعد شكلا من أشكال الدعم السياسي، وفقا لاتفاق سابق بين البلدين، يمنح العراق بموجبه مادة الفيول إلى لبنان الذي يحتاجه لتشغيل محطات الطاقة، فيما يدفع الأخير مبلغا ماليا مخفضا، وهو ما لم يحدث بسبب تخلي بيروت عن التسديد منذ سريان الاتفاق، حتى بلغت ديونها لبغداد بحدود ملياري دولار، على الرغم من أن السعر كان تفضيليا”.
ومنذ سنوات والعراق لم يحصل على مبالغ مالية أو خدمات أو سلع (كما تم ترويج ذلك كبديل عن الأموال) مقابل شحنات “الفيول” التي زود بها لبنان لتشغيل المحطات الكهربائية، لكنه نهاية العام الماضي وافق على تمديد عقد الفيول الموقّع مع لبنان حتى نهاية شهر كانون الثاني الماضي، بدلا من نهاية تشرين الأول 2024 مع زيادة الكمية إلى مليونَي طن سنويا، بدلا من 1.5 مليون طن فقط، ليعود الآن ويجدده مرة أخرى لستة أشهر.
يأتي ذلك، بعد نحو عامين من فشل مشروع المنصة الإلكترونية اللبنانية، المكلفة بالإعلان عن خدمات ومنتجات لبنانية يختار منها العراق ما يوافقه مقابل تزويده لبنان بالفيول، والتي بلغت كلفتها نحو مليوني دولار.
وفي تموز عام 2021 وقع لبنان مع العراق اتفاقا لاستيراد مليون طن من وقود الفيول للتخفيف من أزمة الكهرباء في البلاد، ووصلت أول باخرة إلى لبنان محملة بـ31 ألف طن من هذه المادة في 16 أيلول 2021.
وبشأن طبيعة هذه المادة وأهميتها، يشرح شيرواني، قائلا إن “الفيول أويل أو النفط الأسود، هو أحد نواتج المصافي العراقية، وهذا المنتج يستخدم بشكل واسع في تشغيل محطات الطاقة الكهربائية، وهو منتج ذو قيمة ويمكن أن يصدر للخارج ويباع بمبالغ جيدة”.
ويضيف أن “بعض المصافي المتقدمة تعمل على تصفيته مرة ثانية، لتستخرج منه مشتقات نفطية أخف وأغلى ثمنا”، لافتا إلى أن “العراق الآن يصدر كميات من هذا المنتج، وهو ليس عديما للقيمة كما يظن البعض”.
الأردن ومصر
وليس لبنان هو المستفيد الوحيد من هذه الكميات النفطية، إذ يشير شيرواني، إلى أن “هناك قصة مشابهة مع الأردن الذي يتسلم آلاف البراميل من النفط الخام، بعضها دون مقابل، وكميات أخرى بفارق 14 دولارا تقريبا أقل من السعر الرسمي، وهذا سعر تفضيلي عال، وغير موجود له مثيل في كل العالم، وهو أيضا نوع من الدعم الاقتصادي وبضغط من الولايات المتحدة”.
ومنذ أكثر من 40 عاما، والعراق يزود الأردن بالنفط الخام بـ”أسعار تفضيلية”، رغم الخسائر المستمرة التي يتكبدها جراء الاتفاقية المبرمة بين البلدين والمقدرة بأكثر من 57 مليون دولار سنويا.
وتصاعدت خلال اليومين الماضيين مطالبات بقطع النفط العراقي على الأردن، كجزء من ردود الفعل الغاضبة مما بدر عن الجمهور الرياضي الأردني من هتاف مسيء بحق العراق، الخميس الماضي، كما أفادت مصادر مطلعة، بأن “عددا من نواب الإطار التنسيقي يقودون حراكا نيابيا داخل أروقة البرلمان لإدراج مقترح قطع إمدادات النفط العراقي عن الأردن، بعد عطلة عيد الفطر المبارك”.
ويوضح شيرواني، أن “مصر بدورها، تسعى الآن للحصول على نفط عراقي بأسعار تفضيلية”، مشيرا إلى أن “فكرة الأنبوب النفطي المقرر إنشاؤه من البصرة إلى حديثة ثم العقبة يخدم الطرف الأردني والمصري على الرغم من عدم وجود جدوى أو مبرر اقتصادي من إنشائه، ما سيحرم العراق من بعض عائداته”.
ويثير خط أنابيب النفط المزمع مدّه من حقول البصرة إلى ميناء العقبة بالأردن جدلا في الأوساط السياسية والاقتصادية العراقية بين مرحب بالمشروع ومناوئ له، وتعتمد آراء كلا الطرفين على حسابات الجدوى أو ما يترتب عليه من أضرار.
ليس فائضاً
من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي، أن “منح النفط العراقي مجانا أو بأسعار تفضيلية من دون جدوى اقتصادية، لأي بلد أمر غير صحيح، ويمثل استنزافا لأموال الشعب العراقي، لاسيما وأن المنتجات الممنوحة ليست فائضة عن الحاجة”.
ويضيف الدعمي، أن “العراق مطالب بالتفكير في مشكلة انقطاع الغاز الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية، ومعالجة نقص الوقود لتشغيل المحطات الكهربائية، لا سيما أن العراق موعود بصيف قاس”.
والفيول مزيج من الزيوت التي تبقى في وحدة تكرير النفط بعد التقطير (وقود ثقيل) ويحرق في الفرن أو المرجل لتوليد الحرارة أو لتوليد الطاقة الكهربائية أو الحركية.
واتفق العراق ولبنان على تبادل الطاقة، يمنح العراق بموجبه لبنان الذي يمر بأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، مادة زيت الوقود الثقيل، مقابل “خدمات وسلع” سيحصل عليها العراق من لبنان، الا أن العراق لم يحصل على خدمات أو سلع كما أنه لم يحصل على المبالغ المالية مقابل الوقود التي زود بها لبنان لتشغيل المحطات الكهربائية.
روابط الأخوة
إلى ذلك، يرى عضو لجنة الطاقة النيابية مهند الخزرجي، أن “اللجان البرلمانية تناقش هذه القضايا وتعطي رأيها فيها، وبالنتيجة فالقرارات هي قرارات حكومية تتخذ من قبل رئيس الوزراء”.
ويضيف الخزرجي، أن “موضوع منح النفط الأسود إلى لبنان ليس غريبا وغير جديد، وهو موجود وتمت مناقشته من قبل اللجان في الدورات النيابية السابقة”، لافتا إلى أن “هذا النفط يمنح بناء على اتفاقيات أو مذكرات تعاون مع بعض البلدان، خاصة وأن هناك بلدانا تحتوي على جاليات عراقية كبيرة”.
ويشير إلى أن “معظم هذه المنتجات تمنح من باب روابط الأخوة والجوار لبعض البلدان، ولكن لا يفترض أن يكون ذلك على حساب مصلحة اقتصاد البلد”، مشيرا إلى أن “اللجان البرلمانية كلجنة الطاقة ولجنة النفط والغاز تدرس هذه المنح وترفع توصياتها إلى وزارة النفط والأخيرة هي المعنية بالإنتاج والتصدير”.
المصدر: صحيفة العالم الجديد
أقرأ ايضاً
- زلزال يضرب سوق السيارات بعد قرار الرسوم الأمريكية الجديدة
- التجارة الإلكترونية في العراق.. "ثغرات وبيروقراطية" تهدد الباعة الصغار
- تركيا وBKK.. هل يغادران العراق بعد مبادرة السلام؟