RSS
2026-09-03 14:48:00

ابحث في الموقع

التسويات العشائرية وأثرها في سير العدالة

التسويات العشائرية وأثرها في سير العدالة
بقلم: القاضي سيف عبدالله لفتة

تُعدّ العشيرة مكوّناً اجتماعياً أصيلاً في المجتمع العراقي وقد أدّت تاريخياً أدواراً إيجابية في إصلاح ذات البين واحتواء الخلافات وحل بعض النزاعات بالتراضي بما يسهم في تخفيف الاحتقان الاجتماعي وتقليل زخم الدعاوى أمام القضاء واختصار الوقت والجهد والإجراءات.

إلا أن هذه الأدوار ينبغي أن تقف عند حدودها الاجتماعية وألا تمتد إلى ما يمس اختصاص القضاء أو يعطل أحكام القانون فقد تتحول بعض التسويات العشائرية ولاسيما في القضايا الجزائية من وسيلة للإصلاح إلى عامل مقيّد لسير العدالة وسبباً لإفلات بعض المجرمين من العقاب وقد تؤدي الضغوط العشائرية إلى منع أطراف الدعوى أو الشهود من قول الحقيقة أو حملهم على تغيير أقوالهم بما يعرقل الوصول إلى الحقيقة عبر التهديدات والمساءلة العشائرية والطرق الملتوية التي يسلكها البعض منهم.

كما قد تسهم تلك التسويات في تضليل القضاء أو التأثير في الأدلة أو إخفائها و تمكين بعض المتهمين من الهرب والإفلات من المسؤولية والعقاب وبالتالي يترتب على ذلك إضعاف الردع القانوني وإيصال رسالة مفادها أن النفوذ الاجتماعي قد يكون بديلاً عن سلطة القانون خصوصاً مع زيادة نفوذ بعض العشائر المالي والحكومي وامتلاكهم السلاح وزيادة أعداد أتباعهم من الأفراد و اتباعهم المطلق لما يقرره كبارهم ومتى تجاوزت التسوية إطار الإصلاح الاجتماعي فإنها قد تؤدي تدريجياً إلى تمكين العشائر من نفوذ يتعارض مع هيبة الدولة واختصاص مؤسساتها القضائية والأمنية فالعدالة لا تقوم على القوة الاجتماعية وإنما على سيادة القانون والمساواة أمامه وضمان حقوق جميع أطراف الدعوى.

ومن ثمّ فإن المطلوب ليس إلغاء الدور الإيجابي للعشائر و إنما تنظيمه وتحديد حدوده بصورة واضحة لا يتم ذلك إلا من خلال مكافحة ما يسهم في عرقلة سير العدالة كنزع سلاح العشائر غير المرخص والقبض على المطلوبين من أفرادها ورصد جميع المخالفات القانونية ومكافحتها.

وينبغي تعزيز الوعي بأن الصلح والتسامح في الحدود التي يجيزها القانون يمكن أن يكونا عاملين مساعدَين للعدالة لا وسيلة لتعطيلها.

كما يتطلب الأمر حماية الشهود وأطراف الدعوى من الضغوط والتهديدات وضمان حرية أقوالهم وسلامة الأدلة والإجراءات القضائية فضلاً عن ضرورة تطبيق القانون على من يمارس الضغط أو التهديد العشائري أو يتدخل للتأثير في سير التحقيق والمحاكمة.

إن قوة العشيرة الحقيقية ينبغي أن تكون في الإصلاح وجمع الكلمة وفق الأطر القانونية لا في مواجهة مؤسسات الدولة أو تعطيل القانون أو عرقلة سير العدالة وبذلك يمكن الجمع بين الدور الاجتماعي الإيجابي للعشائر وبين هيبة القضاء وسيادة القانون فالمجتمع المستقر هو الذي تتكامل فيه القيم العشائرية الأصيلة مع سلطة الدولة بحيث يكون الإصلاح طريقاً إلى العدالة لا بديلاً عنها.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!