RSS
2026-09-03 14:37:06

ابحث في الموقع

المركز القانوني لمريض التوحد في القانون العراقي

المركز القانوني لمريض التوحد في القانون العراقي
بقلم: زينة شاكر خسرو

يُعد تحديد المركز القانوني لمريض التوحد (Autism) من المسائل القانونية الدقيقة التي تتقاطع فيها العلوم الطبية مع النصوص التشريعية، حيث يُعرّف التوحد بأنه اضطراب نمائي عصبي يظهر في سن مبكرة ويؤثر على وظائف الدماغ العليا، مما يؤدي إلى انغلاق الفرد داخل عالم خاص وانعزاله عن الواقع الاجتماعي المحيط به. يتجلى هذا الاضطراب من خلال صعوبات جسيمة في التواصل اللفظي وغير اللفظي، ونمطية السلوك، وضعف التفاعل المتبادل، مما يجعله يفتقر في كثير من الأحيان إلى القدرة على تقدير المواقف الاجتماعية والمالية تقديراً سويّاً. ومن الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد نص صريح في القانون العراقي يذكر التوحد بالاسم، بل يتم تكييف حالة المصاب بناءً على الأثر الذي يتركه الاضطراب على ملكة (الإدراك والتمييز)، فالتوحد ليس مرضاً عقلياً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو طيف واسع يتراوح بين العجز الكلي والعبقرية، مما يجعل مركزه القانوني تكييفاً متحركاً يتبع درجة الإصابة الفردية ومدى تأثر الأهلية بها.

ولابد من التمييز الدقيق هنا بين درجات التوحد المختلفة، فمن الناحية القانونية، لا يُفترض انعدام الأهلية بمجرد التشخيص الطبي، إذ يجب التفريق بين الاضطراب وبين الأثر القانوني له على تصرفات الشخص، فليس كل مصاب بالتوحد هو مجنون أو معتوه بالضرورة. إن التكييف القانوني لمريض التوحد في القانون العراقي يعتمد على مدى استيعابه لنتائج أفعاله، فإذا كان التوحد من النوع الشديد المصحوب بتأخر ذهني حاد يمنع المريض من إدراك ماهية العقود وتوازن الالتزامات، فإنه يُلحق بالمجنون أو المعتوه وفق المادة (94) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951، أما إذا كان المصاب يتمتع بذكاء طبيعي أو مرتفع (مثل متلازمة أسبرجر) ولكنه يفتقر للحصافة المالية أو الاجتماعية، فقد يُلحق بالسفيه أو ذي الغفلة. هذا التعدد في التكييف يهدف أساساً إلى حماية المصاب من استغلال الغير لقصوره التواصلي أو ضعفه في فهم النوايا المبطنة للمتعاقدين معه، وضمان أن تصرفاته تعكس إرادة قانونية سليمة لا تشوبها عيوب ناتجة عن اضطرابه العصبي.

والسؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد: متى يُعتبر مريض التوحد مجنوناً في نظر القانون العراقي؟ الإجابة تكمن في مدى إطباق الاضطراب على ملكة العقل والتمييز، فإذا أدى التوحد المرتبط بتخلف عقلي عميق إلى فقدان كلي للقدرة على الإدراك، بحيث لا يميز المريض بين النفع والضرر، فإن القانون يدرجه ضمن فئة (المجنون) التي تناولتها المادة (108) مدني. والمجنون قانوناً هو من انعدم لديه العقل، وتصرفاته في هذه الحالة تُعد باطلة بطلاناً مطلقاً لافتقادها ركن الرضا، ويطبق القانون المدني هنا القواعد المتعلقة بانعدام الأهلية حمايةً للمريض من مغبة الدخول في التزامات مالية لا يدرك أبعادها. وفي حالات التوحد الشديد التي تتسم بالهياج أو الانقطاع التام عن العالم الخارجي، يكون الحجر عليه لذات العلة العقلية ثابتاً، مما يجعله في أقصى درجات الحماية القانونية التي تمنع نفاذ أي تصرف مالي صادر منه يضر بذمته المالية المتزلزلة بفعل المرض.

أما إذا كان التوحد أقل حدة، بحيث يمتلك المريض قدراً من الفهم ولكنه يعاني من نقص فاحش في الملكات الاجتماعية والذهنية، فإنه يُكيف قانوناً باعتباره (معتوهاً). والمعتوه في القانون المدني العراقي هو من كان قليل الفهم ومختلط الكلام وفاسد التدبير دون جنون صارخ، وبحسب المادة (107) مدني، فإن المعتوه يُلحق بالصغير المميز، مما يجعل مركزه القانوني وسطاً بين الأهلية الكاملة وانعدامها (ناقص الأهلية). فمريض التوحد الذي يعاني من ضعف إدراكي يجعله غير قادر على ضبط تصرفاته بوعي كامل ولكنه يدرك أصل الفعل، تُعتبر تصرفاته النافعة نفعاً محضاً صحيحة، والضارة ضرراً محضاً باطلة، أما العقود الدائرة بين النفع والضرر فتكون موقوفة على إجازة الولي. هذا المركز يوفر للمريض حماية من التصرفات التي قد تؤدي لإفقاره نتيجة غياب التقدير السليم، مع السماح له بممارسة قدر محدود من التصرفات التي تنفعه، وهو ما يراعي خصوصية حالته التي تدمج بين القدرة والعجز.

وفي فرضية أخرى، قد لا يؤدي التوحد إلى فقدان العقل، بل ينعكس أثره على السلوك المالي حصراً نتيجة عدم القدرة على فهم قيمة المال أو الاندفاع في الإنفاق على اهتمامات نمطية خاصة، وهنا يُكيف المريض قانوناً بصفة (السفيه). والسفيه قانوناً بموجب المادة (95) والمادة (109) مدني هو من يبذر أمواله في غير مصلحته وعلى غير مقتضى العقل، ومريض التوحد قد ينفق أمواله ببذخ غير عقلاني على مقتنيات لا تهمه إلا لكونها جزءاً من روتينه الخاص أو اهتماماته الضيقة، وهنا يتدخل القانون العراقي ليحجر عليه معاملةً إياه معاملة الصغير المميز. المركز القانوني هنا يتركز حول حماية المال وليس إعدام الشخصية القانونية، فالسفه الناتج عن التوحد لا يعدم العقل بالكلية ولكنه يعدم الرشد المالي، مما يستوجب تعيين قيم يشرف على تصرفاته المالية الكبرى لضمان عدم ضياع ثروته في تصرفات تفتقر للحكمة الاقتصادية والاجتماعية.

وقد يتخذ المركز القانوني لمريض التوحد صورة (ذي الغفلة) إذا ما أدى الاضطراب إلى حالة من السذاجة المفرطة التي تجعله ينخدع بسهولة في المعاملات، نظراً لعدم قدرة التوحديين غالباً على فهم الكذب أو الخداع لدى الآخرين. فذو الغفلة هو الشخص الذي يُغبن في البيع والشراء لسلامة نية مفرطة ناتجة عن خلل إدراكي، والمريض الذي يفتقر للحذر اللازم قد يقع فريسة للمستغلين الذين يسلبون أمواله بعقود ظاهرها الصحة وباطنها الغبن الفاحش. لذا فإن القانون مدني العراقي في المادة (110) ألحق ذي الغفلة بالسفيه، مانحاً إياه ذات الحماية القانونية، وبذلك يكون المركز القانوني للمريض هنا هو نقص الأهلية، حيث يهدف المشرع إلى سد الثغرة التي أحدثها التوحد في قدرة المريض على حماية نفسه من الاستغلال الخارجي، مؤكداً أن العجز عن تقدير الخسارة والربح بسبب الاضطراب هو مبرر كافٍ لتقييد صلاحياته المالية.

وفيما يتعلق بالمسؤولية التقصيرية، تنظم المادة (191) من القانون مدني مسؤولية مريض التوحد بوصفه في حكم المجنون أو الصبي غير المميز في حالات العجز الكلي، حيث نصت على لزوم الضمان في مال المريض نفسه إذا أتلف مال غيره. فإذا قام المصاب بالتوحد بإتلاف ممتلكات الغير نتيجة نوبة غضب أو عدم إدراك للمخاطر، فإن القانون لا يعفيه من التعويض المالي، وفي حال تعذر الحصول على التعويض من أمواله، منحت المادة للمحكمة سلطة إلزام الولي أو القيم بالتعويض مع حق الرجوع على المريض لاحقاً. وضابط التعويض العادل يفرض على المحكمة مراعاة الحالة المادية للمصاب، مما يعني أن المركز القانوني للمريض هنا هو مسؤول مالي عن الضرر الواقعي، ترسيخاً لقاعدة أن الضرر يُزال حتى لو صدر من شخص غير مدرك، وذلك موازنةً بين حق المريض في الحماية وحق المجتمع في جبر الأضرار التي قد تسببها أفعاله المادية.

خلاصة القول، يتبين أن المركز القانوني لمريض التوحد في العراق هو توصيف مرن يتراوح بين انعدام الأهلية ونقصانها بحسب درجة الاضطراب ونوع التصرف، وهذا التدرج يعكس مرونة المشرع العراقي في استيعاب الحالات التي لا تقع تحت وصف الجنون التقليدي. إن الضرورة تقتضي تفعيل دور اللجان الطبية المتخصصة في اضطرابات الطيف لضمان دقة التكييف القانوني وتجنب الحجر الكلي في حالات التوحد الخفيف التي تحتاج فقط لرقابة مالية (سفه أو غفلة). ويظل المركز القانوني للمريض تحت المراجعة القضائية، فالتوحد حالة نمائية قد تتحسن بالتدريب والتأهيل، مما يسمح برفع القيود القانونية تدريجياً. فالقانون في جوهره وجد لحماية الإنسان، ومريض التوحد هو فرد يحتاج لسند قانوني يحفظ كرامته وأمواله، بما يضمن صيانة حقوقه أمام المجتمع في مواجهة قصوره التواصلي، محولاً القانون من أداة تقييد إلى وسيلة صيانة وحماية وجودية.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!