تعرّض الكُتّاب والصحفيون المخضرمون لهجومٍ غير مبررٍ من دُخلاءِ المهنةِ، الذين اتهموهم باتباع الأسهل والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات. وتحمل هذه الاتهامات جزءاً من الحقيقة؛ فالأسماء الضعيفة تلجأ إلى أخذ أفكار المبدعين وإدخالها في البرامج الذكية، ليخرجَ محتوًى مكررٌ ومتشابهٌ ومسروقٌ نصّاً، مما فتح باب الجدل حول استخدام الآلة لصناعة الإبداع. ورغم هذا الضجيج، تبقى البصمة البشرية واللمسة النقدية الحية هي الفيصلَ، وهي التي تترك أثراً واضحاً عجزت الآلة عن تقليده. إن الاعتماد الأعمى على الذكاء الاصطناعي في الكتابة لا يقتصر خطره على القشور، بل يمس عمق الثقافة البشرية وسلامة العقل. فالاعتماد الكلي على الآلة يُعطل طاقة الدماغ في التدقيق والتمحيص؛ إذ يعتاد العقل على الحلول الجاهزة ويتجنب الجهد الذهني، مما يُولد كسلاً معرفياً يؤدي إلى تراجع شغف البحث والتعلم. ونتيجة لذلك، تفقد النصوص تنوعها وتصبح متشابهة ومكررة، وتختفي منها التجارب الشخصية والمشاعر الصادقة. إضافة إلى ذلك، تنقل الآلة أحياناً معلومات خاطئة بثقة تامة، في حين يظل العقل البشري المصدر الوحيد للإبداع والعمق الفكري.
فالاتكال التام على الذكاء الاصطناعي يُعدُّ ككسل فكري؛ لأنه يُعطل طاقات العقل البشري، ويحوله من كائن مبدع ومنتج للمعرفة إلى مستهلك كسول. العقل البشري كالعضلة، يحتاج إلى التمرين المستمر ليبقى قويًّا. فالركون إلى الحلول الجاهزة يقتل روح المبادرة والاكتشاف، وتتراجع معه قدرة الإنسان على الابتكار وتوليد أفكار خارجة عن المألوف. كما أن النصوص الناتجة تعتمد على تجميع البيانات السابقة ولا تقدم فهمًا جديدًا؛ إذ تخلو المخرجات الآلية من التجربة الإنسانية الحقيقية والمشاعر العميقة، لتصبح الأفكار متشابهة وتفتقر إلى البصمة الشخصية. إن ترك مهام التحليل والبحث للآلة يولّد أجيالًا تعجز عن تدقيق المعلومات، ويتراجع فيها التفكير النقدي والقدرة على كشف الأخطاء أو التحيز، فضلاً عن ضعف القدرة على صياغة حجج منطقية متماسكة. لذا، داوم على القراءة العميقة والكتابة الذاتية لتلهم عقلك وتنشطه.
متى يكون الذكاء الاصطناعي أداةً مفيدةً لا عكازاً للاستسهال؟ يكون كذلك عند استخدامه في تنظيم الأفكار أو التدقيق، لا لكتابة المحتوى بالكامل. يُستعان به لتسريع المهام الروتينية، مع الحفاظ على البصمة والنقد البشري في صلب العمل. يصبح الذكاء الاصطناعي قوة حقيقية حين يُعامل كشريك استشاري يُكَمِّل العقل البشري ولا يستبدله. فروح الكاتب، مهما كانت موهبته وقدرته الكتابية، تظهر جليّةً في نصه؛ تشعر بمشاعره، تبكي لبكائه وتفرح لفرحه. والنص الذي يحمل روحاً حقيقيةً لا يمكن الطعن فيه. لكن جهلاء هذا العصر استسهلوا الأمر في البحث والنشر. والمؤسف حقاً أن بعض أصحاب العقول الذين نعتمد عليهم في تصحيح النصوص، يرتكبون جريمة تشويه النص الإبداعي عندما يتركون مهمة التصحيح لأدوات الذكاء الاصطناعي.
أيها النائمون في بحبوحة العمل الصحفي من محررين ومصححين، لا تستيقظوا على اللغو والطعن والخلل فيكم ومنكم؛ فأنتم من يزرع الشك ويضع النقاط على الحروف الخاطئة. فالخيانة الصحفية والأدبية والثقافية تأتي من النائمين على كراسي الصحافة، الذين يستغلون الأكفاء ويطعنون في كفاءاتهم. رحم الله امرأً عرف قدر نفسه فأحسن حاله وترك المبدعين وشأنهم. لن يدوم الكذب، فلا قدرة لديكم على الكتابة ما لم تقرؤوا لمن حولكم من المبدعين.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!