RSS
2026-07-28 17:15:44

ابحث في الموقع

من جيب الموظف إلى خزائن الفساد: كيف رهنت الدولة قوت الملايين بـ "برميل نفط"؟

من جيب الموظف إلى خزائن الفساد: كيف رهنت الدولة قوت الملايين بـ "برميل نفط"؟
بقلم: سيروان سعد

في كل منتصف شهر، تترقب عيون ملايين العراقيين هواتفهم المحمولة، منتظرين بفارغ الصبر تلك الرسالة النصية القصيرة من المصرف التي تعلن عن إيداع الراتب الشهري. ليست تلك الرسالة مجرد استحقاق مالي، بل هي شريان الحياة الذي يُحرّك الأسواق، ويسدّد ديون أصحاب المحال، ويؤمن قوت العائلات. لكن، عندما تتأخر هذه الرسالة أو تتعثر في أروقة السياسة والسيولة، يصاب الشارع العراقي بحالة شلل تام، لتتكشف الحقيقة المرة: بلد كامل، بعراقة تاريخه وثرواته، يعيش تحت رحمة برميل النفط.

 لم تكن أزمة السيولة وتأخر الرواتب وليدة اللحظة، بل نتاج تراكمي لسوء الإدارة والتخطيط الاقتصادي على مدى سنوات طويلة. ومما لا شك فيه، أن الوظيفة الحكومية في العراق تحولت من وسيلة لتقديم الخدمة العامة إلى أداة لامتصاص البطالة ودعاية انتخابية.

هذا التغيير أدى إلى تضخم هائل في أعداد العاملين في القطاع العام والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية. مثل هذا الانتفاخ أوجد فاتورة تشغيلية ضخمة تلتهم الغالبية العظمى من الموازنة الاتحادية على حساب الإنفاق الاستثماري والبنية التحتية.

 يعزّز من هذه الأزمة الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية لتمويل موازنات الدولة، مما يجعل الاقتصاد العراقي مكشوفاً تماماً أمام أي تذبذب في أسعار الطاقة العالمية أو خفض في حصص التصدير. وبالرغم من تحذيرات خبراء الاقتصاد المتكررة، استمرت الحكومات المتعاقبة في ترحيل الأزمات بدلاً من تناولها بجدية.

 الأزمة لم تتوقف هنا، بل تفاقمت بفعل ظاهرة الموظفين الوهميين ومزدوجي الرواتب الذين يستنزفون ثروات البلاد بلا حق. في المقابل، ضعُف ثقة المواطن بالنظام المصرفي المحلي، مما جعل غالبية السيولة النقدية بالدينار تدور خارج الجهاز المصرفي وتُحتفظ في المنازل. هذا الاكتناز يحرم البنوك من السيولة اللازمة، مما يعرقل قدرة وزارة المالية والبنك المركزي على إدارة السيولة اليومية وتأمين الرواتب بسلاسة عند حدوث أي تأخير في التحويلات النفطية.

 أي تأخير في صرف الرواتب لا يؤثر فقط على الجوانب المالية، بل يُدمّر أيضاً حياة الشارع العراقي. يصاب السوق بركود اقتصادي شامل، وتتوقف حركة البيع والشراء في المحال التجارية، لأن الموظف هو المحرك الأساسي للقدرة الشرائية. كما أن التأخير المتكرر يخلق حالة من القلق والتوتر النفسي والاجتماعي، ويُضعف ثقة المواطن بدولته ومؤسساتها، مما يدفع ذوي الدخل المحدود للاستدانة لتغطية المتطلبات الأساسية مثل العلاج والإيجارات وشراء المواد الغذائية.

 لكي يخرج العراق من هذه الدوامة ولا يظل قوته مرهوناً بتقلبات الأسواق العالمية، توجد مسارات عملية واقتصادية قادرة على تحقيق الاستقرار المالي. تتصدر هذه المسارات الأتمتة الشاملة للجمارك والضرائب وضبط المنافذ الحدودية عبر الربط الإلكتروني، للقضاء على الفساد والتهرب، مما سيدعم الخزينة بموارد غير نفطية ضخمة. كما أن التدقيق البيومتري وتنظيف السجلات الوظيفية لإلغاء الأسماء الوهمية ومزدوجي الرواتب سيساعدان في تقليل الهدر المالي.

 لإنعاش الدورة الاقتصادية، يجب إعادة الثقة بالنظام المصرفي واستقطاب الأموال المكتنزة في المنازل عبر تقديم حوافز تشجيعية وتطوير الخدمات الرقمية. في الجهة المقابلة، يبقى تحفيز القطاع الخاص والإنتاج المحلي، وحماية المنتج الوطني، وتسهيل القروض الاستثمارية للمشاريع ركيزة أساسية لامتصاص أعداد الخريجين وتخفيف الضغط عن الكاهل الحكومي، إلى جانب استغلال الموقع الجغرافي الفريد للعراق وتحويله إلى منصة لوجستية ونقطة ترانزيت إقليمية قد تُدر إيرادات مالية مستدامة.

إن الرهان المستمر على ارتفاع أسعار النفط لتغطية النفقات التشغيلية ليس سوى مسكن مؤقت لأزمة هيكلية عميقة. لقد وصل الاقتصاد العراقي إلى نقطة حاسمة تفرض على أصحاب القرار الانتقال فوراً من حلول الترقيع وإدارة الأزمات الشفاهية إلى إجراء إصلاحات مالية شجاعة، تضمن كرامة المواطن وحقه الثابت في قوته بعيداً عن تجاذبات السياسة وتقلبات الأسواق.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!