RSS
2026-08-12 09:54:54

ابحث في الموقع

لماذا لا تثق طهران بالتنازلات الأمريكية؟ قراءة في عقل الحرس الثوري ووهم القوة الأمريكية

لماذا لا تثق طهران بالتنازلات الأمريكية؟ قراءة في عقل الحرس الثوري ووهم القوة الأمريكية
بقلم:حسيني الاطرقجي

في السياسة الدولية، ليست المشكلة في حجم التنازلات التي يقدمها الخصم، بل في توقيتها ودوافعها. فالتاريخ يعلم الدول التي خاضت صراعات طويلة أن بعض عروض السلام قد تكون أكثر خطورة من استمرار الحرب نفسها. ومن هذا المنطلق، تبدو القيادة الإيرانية، ولا سيما الحرس الثوري، متوجسة من التنازلات الأمريكية التي تضمنتها مذكرة وقف إطلاق النار أو “مذكرة التفاهم”، إذ تنظر إليها بوصفها خطوة غير مألوفة في السلوك الأمريكي، ما يدفع إلى التساؤل: لماذا تقدم واشنطن تنازلات سخية الآن؟

داخل دوائر صنع القرار في طهران، لا يُقرأ هذا التحول باعتباره تغيراً في النوايا الأمريكية، بل يُفسَّر على أنه محاولة استراتيجية لخفض مستوى التأهب الإيراني، وإشعار النظام بأن مرحلة الخطر قد انتهت، تمهيداً لانتزاع عناصر قوته العسكرية والسياسية تدريجياً، ثم فرض وقائع جديدة تجعل إيران أقل قدرة على المقاومة وأكثر عرضة للضغوط الخارجية. لذلك، فإن الثقة بالتطمينات الأمريكية تُعد، وفق هذا المنطق، مخاطرة وجودية وليست مجرد خطأ في التقدير.

ويستند هذا التفكير إلى مجموعة من المرتكزات الاستراتيجية؛ أولها، أن إظهار ضبط النفس أو تقديم تنازلات إضافية لن يُفسَّر في واشنطن على أنه رغبة في الاستقرار، بل قد يُقرأ باعتباره مؤشراً على الضعف، الأمر الذي يشجع الولايات المتحدة على توسيع مطالبها وممارسة مزيد من الضغوط. وفي أدبيات الردع، فإن الخصم الذي يشعر بأن كلفة التصعيد منخفضة يميل غالباً إلى رفع سقف مطالبه.

أما المرتكز الثاني، فيقوم على أن توقيت المواجهة ليس تفصيلاً ثانوياً. فمن منظور الحرس الثوري، فإن خوض صراع في المرحلة الحالية قد يكون أقل كلفة من تأجيله إلى وقت يتعافى فيه الاقتصاد العالمي، وتستعيد فيه الأسواق استقرارها، وتكتمل فيه الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة. ويستند هذا التقدير إلى قناعة بأن المؤشرات الميدانية لا تعكس انسحاباً أمريكياً، بل استمراراً في تعزيز القدرات العسكرية حتى بعد توقيع مذكرة التفاهم، وهو ما يثير الشكوك بشأن الأهداف الحقيقية للاتفاق.

ويتمثل المرتكز الثالث في الاعتقاد بأن إيران ما تزال تمتلك قدرة على إدارة معركة استنزاف طويلة. فتعثر سلاسل الإمداد العالمية، وحساسية أسواق الطاقة، والقدرة على التأثير في طرق التجارة البحرية، تمنح طهران أوراق ضغط تعتقد أنها تسمح لها بخوض معادلة “النفس الطويل” و”عض الأصابع”، حيث يصبح عامل الزمن جزءاً من أدوات الصراع وليس عبئاً عليها وحدها.

أما داخلياً، فتعتقد دوائر القرار الإيرانية أن التماسك الشعبي قد تعزز بصورة ملحوظة عقب تشييع السيد الخامنئي، إذ أوجد الحدث حالة اصطفاف وطني حول النظام، وأعاد تقديم ملفات السيادة والأمن القومي بوصفها قضايا تتجاوز الانتماءات السياسية. وفي هذا السياق، تتحول قضية مضيق هرمز من ملف اقتصادي أو عسكري إلى رمز للسيادة الوطنية، ما يمنح القيادة مساحة أوسع لاتخاذ قرارات استراتيجية صعبة.

وفي المقابل، قد يكون من المفيد قراءة هذا المشهد من زاوية الفكر السياسي الأمريكي نفسه. فقد أشار السيناتور الأمريكي جيمس وليم فولبرايت في كتابه وهم القوة إلى أن فائض القوة قد يتحول إلى مصدر للخطأ الاستراتيجي. فالدول العظمى لا تقع في الأخطاء لأنها تفتقر إلى الذكاء، وإنما لأنها تمتلك من القوة ما يجعلها تميل إلى الحلول السريعة. وعندما تصبح القوة العسكرية الأداة الأسهل، يتراجع الميل إلى التفاوض الطويل وبناء التسويات السياسية، ويغدو استخدام القوة خياراً مغرياً حتى في القضايا التي تتطلب صبراً ودبلوماسية.

وانطلاقاً من هذا التصور، قد ترى طهران أن السلوك الأمريكي لا يعكس تحولاً في الفلسفة الاستراتيجية، بل مجرد تغيير في الأدوات والمرحلة. ولذلك، فإن أي تهدئة مؤقتة لا تُفسَّر باعتبارها نهاية للصراع، وإنما مرحلة ضمن صراع أطول على موازين القوة في المنطقة.

وفي النهاية، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في بنود مذكرة التفاهم ذاتها، بل في انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين. فعندما تصبح كل مبادرة سلام قابلة للتفسير بوصفها فخاً، وتصبح كل خطوة عسكرية قابلة للتفسير بوصفها تمهيداً لحرب أكبر، فإن المنطقة تدخل مرحلة يكون فيها سوء الإدراك الاستراتيجي أخطر من السلاح نفسه. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل ستنجح المفاوضات؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل ما زال أي من الطرفين يعتقد أن الطرف الآخر قادر أصلاً على الالتزام بسلام دائم؟

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!