عمليات إلقاء القبض على الفاسدين مهما كان عددهم، لا تعني مكافحة الفساد، لأن كل عمليات المداهمة والمصادرة، والأحكام الصادرة بحق الفاسدين هي نتاج عرضي لموضوع أكبر يتعلق بطبيعة النظام السياسي، والطبقة السياسية التي أسهمت في تشكيل كل حكومات ما بعد 2005، التي نما الفساد أمام ناظريها، بل كان بعضها مشاركاً فيه، وحامياً وراعياً له. وعلينا أن نستكشف بطريقة استدلالية ومنهجية جواب السؤال التالي (هل الطبقة السياسية التي شكلت حكومات ما بعد 2005، تسعى لبناء الدولة، أم بناء امبراطورياتها المالية داخل جسد الدولة؟) إجابة هذا السؤال تغنينا عن الخوض في التفاصيل التي لا تُغير من الأمر شيئاً.
أعاقت المادة 136 (ب) من قانون العقوبات العراقي الصادر في 1969، قدرة الهيئة على القيام بإجراء التحقيقات التي تطال مسؤولين كبار، حيث نصت هذه المادة، على عدم جواز رفع أية قضية ضد أي موظف حكومي من دون موافقة المسؤول الأعلى، (الوزير في الوزارة، أو رئيس مجلس الوزراء بالنسبة إلى الوزراء). علّقت سلطة الائتلاف المؤقتة العمل بهذه المادة في حزيران /يونيو 2004. فماذا فعلت أول حكومة تشكلت بعد انتخابات 2005 برئاسة نوري المالكي؟ أعادت العمل بهذه المادة في ربيع 2007، حيث أصدر رئيس مجلس الوزراء حينذاك، أمراً تنفيذياً ينص بصورة واضحة على عدم جواز محاكمة أي وزير من دون الحصول على موافقة من مكتب رئيس مجلس الوزراء.
ويشير تقرير أعدته الحكومة الأمريكية، إلى أنه “خلال الأشهر الستة من أيلول /سبتمبر 2006، إلى شباط فبراير 2007، جرى الاستشهاد بالمادة (136) (ب) لوقف التحقيقات من جانب هيئة النزاهة، في 48 قضية شملت 102 مدعى عليهم”(1).
كما أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة الأمر رقم 57 الذي وقعه السفير بول بريمر في 10 شباط/ فبراير2004، الذي أنشأ بموجبه مكتباً للمفتش العام في كل وزارة يرأسه مفتش عام، وعندما أغلقت سلطة الائتلاف المؤقتة أبوابها في حزيران 2004، كان بريمر قد عيّن 29 مفتشاً عاماً للخدمة لمدة خمس سنوات، وفوّض الأمر رقم 67، إلى المفتشين العامين سلطة استدعاء الشهود وطلب الحصول على مستندات.
وبدل تفعيل مكاتب المفتشين بما يعزز دورهم في مكافحة الفساد، أصدر مجلس النواب العراقي بتاريخ 20/11/2017، قانوناً ألغى بموجبه مكاتب المفتشين العامين، ونصت المادة (4) منه على ” إلغاء أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 57 لسنة 2004 وتعديله بالأمر رقم 19 لسنة 2005″.
الفساد مرتبط بالفوضى وديمومتها في العراق، وتعمل بعض الجهات السياسية على استمرار حالة الفوضى، لأنها تتيح لها منافذ للاستحواذ على المال العام، وسينتهي الفساد بمجرد انتهاء حالة الفوضى، وبمجرد إيجاد مؤسسات دولة تعمل على وفق الدستور والقانون.
وجود مؤسسات رقابية قد لا تكون كافية لمنع أو مكافحة الفساد، إذا لم يقترن ذلك بوجود إرادة سياسية حقيقية لمكافحة الفساد، بدل الركون إلى استقرار سياسي خادع، مبني على ابتزاز الأطراف السياسية بعضها بعضاً، من خلال تهديدها بكشف فساد غيرها إذا ما كُشِف فسادها، ما يضطر بعضها إلى الضغط على القضاء، كما اعترف هادي العامري في تصريح متلفز، كي “يحافظ على العملية السياسية”، وكأن استمرار “العملية السياسية” لا يتحقق بغير الفاسدين.
علينا أن نقرر فيما إذا كنا نريد فعلاً القضاء على الفساد أم لا؟
التجربة السابقة لم تثبت توفر نية صادقة لدى بعض الزعماء والأحزاب السياسية، في مكافحة الفساد، بل استخدمت ملفاته التي لم تصل أغلبها إلى القضاء، في الصراع السياسي، وكأنه جرى الاتفاق بين الفاسدين أن يسكت كل منهم عن فساد الآخر، وأن لا يصل الموضوع عتبة القضاء.
توفر النية يوجب عملاً من نوع آخر، يوجب تشريعات تتضمن إيقاع عقوبات أشد على الموظفين والمسؤولين الفاسادين الكبارضعف العقوبات على صغار الموظفين، وتعديل تشريعات لا تسمح بإيقاعها مثل المادة 136 (ب) من قانون العقوبات لسنة 1969، وإنشاء مكتب لهيئة النزاهة في كل وزارة بدل مكاتب المفتشين العموميين الذين يخضع تعيينهم لرغبة وزراءهم بدرجة كبيرة ضمن مفهوم المحاصصة، وإنشاء مكتب يرتبط برئيس مجلس الوزراء باسم مكتب المتابعة والتحقق، لمتابعة عمليات الصرف في الوزارات المؤسسات الأخرى، لأن الوزارات قد لا تعطي أية مؤشرات سلبية على أدائها كي لا تكون تحت المساءلة، وتشريع قوانين رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث، وتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بما لا يسمح للنائب التدخل لصالح شركات تنفذ عقود لصالح الوزارات التنفيذية واقتصار دوره على الرقابة والتشريع كما ينص الدستور، وغير ذلك كثير وليس الإكتفاء باالعمل الذي تؤديه هيأة النزاهة بمفردها مع المعوقات الكثيرة التي تعترض عملها، وليس بأن تقتصر كل الدعاوى التي ترفع إلى القضاء، على موظفين صغار يأخذون رشاوي صغيرة مقابل قيامهم بتأدية واجباتهم، ولا أقول إنّ ذلك ليس حسناً، لكنه بالتأكيد ليس بأهمية إلقاء القبض على وزير أو مدير عام فاسد أثناء عمله، لأن فساد الوزير أكثر تأثيراً، وأكثر مجلبة للعار والخزي للدولة من موظف صغير في دائرة ما، لا يعلم بقضيته أحد.
أحد أهم أسباب وسم العراق بأنه من أكثر بلدان العالم فساداً، هو انتشار ظاهرة العمولات للمسؤولين الكبار لمنح المقاولات الكبيرة للشركات التي تدفع أكثر، لا سيما في ظل انعدام التوجيه الإداري فيما يتعلق بتفضيل الشركات العراقية والتعامل معها، بدلاً من الشركات الأجنبية، التي أخذت بعضها مبالغ السلف التشغيلية، وغادرت لأنها لم ترَ خلال تعاملها رجالاً مخلصين لبلدهم قدر إخلاصهم لجيوبهم.
يمكن أن تكون إحدى أهم مقومات بناء الدولة يتمثل بقدرة نظامها السياسي، والجهاز القضائي والتنفيذي فيها، على إنفاذ القانون ضد الكبار قبل الصغار، أما اقتصار تنفيذ القوانين وإيقاع العقوبات على اللصوص الصغار وترك الكبار دون حساب، يقود إلى إيجاد شرخ كبير في كيان الدولة، ويؤدي إلى انفصال بين أجهزة الدولة القضائية والتنفيذية وبين المواطنين، الذين ستوحدهم معاناتهم من سوء إدارة موارد البلد الذي ينعكس بسوء تقديم الخدمات، إلى أن يكونوا في خندق واحد، مقابل خندق النظام ومؤسساته، كما حصل زمن نظام صدام حسين، وحصل أيام انتفاضة تشرين 2019، التي عزلت أحزاب السلطة ومؤسساتها في خندق واحد، مقابل خندق الشعب الذي طالب بمحاسبة الفاسدين.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!