RSS
2026-07-10 15:15:59

ابحث في الموقع

الطاقة الكهربائية بين المال العام والحماية الجزائية

الطاقة الكهربائية بين المال العام والحماية الجزائية
بقلم: نائب المدعي العام محمد ابراهيم تركي

تمثل حماية المال العام إحدى أهم صور حماية الدولة ومرافقها الأساسية، لأنها لا تتعلق بمصلحة مالية مجردة، وإنما تتصل مباشرة بحسن سير المرافق العامة وانتظام الخدمات التي تقدم للمواطنين. ومن بين أبرز صور الاعتداء على المال العام في الواقع العملي، ظاهرة التجاوز على الشبكة الكهربائية، لما تنطوي عليه من استيلاء غير مشروع على مورد حيوي، وإضرار مباشر بخزينة الدولة، وإرباك لمنظومة تجهيز الطاقة الكهربائية.

وقد جاء توجه مجلس القضاء الأعلى إلى تشديد الإجراءات القانونية بحق مرتكبي التجاوز على الشبكة الكهربائية، ومراعاة انطباق أحكام المادة 444/حادي عشر من قانون العقوبات عليهم، باعتبار الفعل سرقة لمال عام، توجهاً سليماً ومؤيداً من الناحية القانونية. فهذا التوجه لا ينشئ جريمة جديدة، ولا يتوسع خارج حدود النص، وإنما يستند إلى تكييف قانوني منسجم مع طبيعة المال المعتدى عليه ومع الغاية التي قصدها المشرّع من تشديد العقوبة عند وقوع السرقة على مال مملوك للدولة أو لإحدى المؤسسات العامة.

ولبيان سلامة هذا التوجه، لا بد من الوقوف ابتداءً عند مفهوم المال بصورة عامة. فالمال في المفهوم القانوني لا يقتصر على الأشياء المادية المحسوسة وحدها، وإنما يشمل كل شيء أو منفعة لها قيمة اقتصادية، ويمكن أن تكون محلاً للملكية أو الحيازة أو الانتفاع أو التقويم المالي. فالعبرة في وصف الشيء بأنه مال ليست بكونه مرئياً أو ملموساً فقط، وإنما بمدى قابليته لأن تكون له قيمة مالية، وأن يترتب على الاستئثار به أو الانتفاع منه أثر اقتصادي.

ومن هذا المنطلق، فإن الطاقة الكهربائية تدخل في نطاق مفهوم المال، لأنها ذات قيمة اقتصادية واضحة، ويتم إنتاجها ونقلها وتوزيعها بكلف مالية وفنية، كما أنها قابلة للقياس والاستهلاك والتقويم النقدي من خلال أجور الجباية والتجهيز. وعلى الرغم من أن الكهرباء ليست منقولاً مادياً بالمعنى التقليدي، إلا أنها تمثل منفعة مالية قابلة للاستئثار والاستهلاك، ويترتب على استخدامها دون مقابل حرمان الجهة المالكة أو المجهزة من قيمتها المالية.

وإذا كانت الطاقة الكهربائية المنتجة والمجهزة عبر الشبكة الوطنية مملوكة أو مدارة من قبل الدولة ومؤسساتها المختصة، ومخصصة لخدمة الجمهور من خلال مرفق عام، فإنها تدخل ضمن مفهوم المال العام. فالمال العام لا ينحصر في العقارات أو المعدات أو الموجودات المادية، بل يمتد إلى كل مورد أو منفعة أو خدمة ذات قيمة اقتصادية تعود للدولة أو تخصص لتحقيق نفع عام. وبذلك تكون الكهرباء المجهزة عبر الشبكة الوطنية مالاً عاماً من حيث مصدرها وإدارتها وغرض تخصيصها، ويكون الاعتداء عليها اعتداءً على مال الدولة ومرفقها العام في آن واحد.

وتأسيساً على ذلك، فإن قيام الشخص بالربط غير المشروع على الشبكة الكهربائية، أو التحايل على أجهزة القياس، أو سحب الطاقة من دون سند قانوني أو مقابل مالي، لا يعد مجرد مخالفة فنية بسيطة، بل يمثل استيلاءً غير مشروع على مال عام متى توافرت أركان الجريمة. فالفعل ينطوي على انتفاع غير مأذون به بطاقة ذات قيمة مالية، ويؤدي إلى حرمان الدولة من بدل الاستهلاك، فضلاً عن تحميل الشبكة أعباء إضافية قد تؤدي إلى تلف المحولات والأسلاك وانخفاض كفاءة التجهيز.

وتتأكد وجاهة هذا التكييف عند الرجوع إلى نص المادة 444/حادي عشر من قانون العقوبات، التي شددت العقوبة إذا وقعت السرقة على شيء مملوك للدولة أو لإحدى المؤسسات العامة أو لإحدى الشركات التي تساهم الدولة في مالها بنصيب. ومناط تطبيق هذه الفقرة هو صفة المال محل الاعتداء، فإذا ثبت أن محل الفعل يعود للدولة أو لإحدى الجهات العامة، وأن الجاني تعمد الاستيلاء عليه أو الانتفاع به دون وجه حق، فإن تطبيق النص يكون منسجماً مع إرادة المشرّع في توفير حماية أشد للمال العام.

ومن ثم فإن توجه مجلس القضاء الأعلى في اعتبار التجاوز على الشبكة الكهربائية، عند توافر شروطه القانونية، داخلاً في نطاق المادة 444/حادي عشر، هو توجه موفق؛ لأنه يضع الفعل في إطاره الجزائي الصحيح، ويحول دون التعامل معه بوصفه مجرد مخالفة اعتيادية لا تتناسب مع جسامة آثاره. فالتجاوز على الكهرباء لا يضر بوزارة الكهرباء وحدها، بل ينعكس على المجتمع بأسره من خلال زيادة الأحمال، وضعف التجهيز، وتعطيل خطط الصيانة والجباية، وإهدار موارد مالية وفنية تتحملها الدولة.

كما أن هذا التوجه يحقق غاية الردع العام والخاص. فالردع العام يتحقق بإيصال رسالة واضحة مفادها أن الطاقة الكهربائية مال عام محمي جزائياً، وأن الاستيلاء عليها دون حق لا يقل خطورة عن صور الاعتداء الأخرى على أموال الدولة أما الردع الخاص فيتمثل في منع الجاني من تكرار الفعل، وإشعاره بأن التجاوز على المرافق العامة ليس فعلاً هامشياً أو مألوفاً يمكن التساهل معه، بل جريمة تمس المال العام والنظام العام الاقتصادي.

أما فيما يتعلق بالاعتداء على لجان وزارة الكهرباء المكلفة بإزالة التجاوزات، فإن تطبيق أحكام المواد 229 و230 من قانون العقوبات ينسجم كذلك مع صحيح القانون. فهذه اللجان تؤدي واجباً رسمياً بتكليف من جهة عامة، ومن ثم فإن إهانتها أو تهديدها أو الاعتداء عليها لا يمثل اعتداءً على الأشخاص فحسب، بل يشكل مساساً بهيبة الدولة وعرقلة لتنفيذ القانون. ومن هنا فإن الحماية الجزائية لا تقف عند حماية الطاقة الكهربائية كمال عام، بل تمتد إلى حماية الموظفين والمكلفين بخدمة عامة أثناء قيامهم بواجب إزالة التجاوزات.

وبذلك يشكل توجه مجلس القضاء الأعلى معالجة قانونية متكاملة لهذه الظاهرة؛ فهو من جهة يؤكد حماية المال العام من خلال تكييف الاستيلاء غير المشروع على الطاقة الكهربائية بوصفه سرقة مشددة، ومن جهة أخرى يحمي سلطة الإدارة العامة وهيبة القانون من خلال تجريم الاعتداء على اللجان المختصة بإزالة التجاوزات. وهذا الجمع بين حماية المال وحماية القائمين على تنفيذ القانون يعكس فهماً دقيقاً لطبيعة المشكلة وآثارها.

ولا يتعارض تأييد هذا التوجه مع ضرورة مراعاة الضمانات القانونية في كل دعوى جزائية. فالتطبيق السليم للمادة 444/حادي عشر يقتضي التحقق من وجود فعل مادي واضح، كالسحب غير المشروع أو الربط المباشر أو التحايل على المقياس، وثبوت أن الطاقة أو الشبكة محل الاعتداء تعود للدولة أو لإحدى الجهات العامة، وقيام القصد الجرمي لدى الفاعل في الانتفاع دون حق. فالتشدد في حماية المال العام لا يعني تجاوز مبادئ العدالة، وإنما يقتضي تطبيق النصوص بحزم عند توافر أركانها.

وخلاصة القول، إن توجه مجلس القضاء الأعلى بشأن التجاوز على الشبكة الكهربائية يمثل اتجاهاً قانونياً راجحاً ومؤيداً، لأنه يستند إلى نص قائم في قانون العقوبات، ويتفق مع المفهوم الواسع للمال، ويدخل الطاقة الكهربائية ضمن نطاق المال العام باعتبارها مورداً ذا قيمة اقتصادية مملوكاً أو مداراً من قبل الدولة ومخصصاً للنفع العام. كما أن هذا التوجه يستجيب لحاجة واقعية ملحة تتمثل في الحد من الاعتداءات على الشبكة الوطنية، وصيانة موارد الدولة، وتعزيز هيبة القانون. ومن ثم فإن تكييف التجاوز على الشبكة الكهربائية كسرقة للمال العام لا يعد توسعاً غير مبرر في التجريم، بل هو تطبيق صحيح للنص وروحه، وحماية لازمة لمرفق حيوي يمس حياة المواطنين ومصلحة الدولة العليا.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!