RSS
2026-06-28 13:40:27

ابحث في الموقع

تفاصيل أكبر حملة ضد الفساد في العراق: دور واشنطن وأبرز المعتقلين

تفاصيل أكبر حملة ضد الفساد في العراق: دور واشنطن وأبرز المعتقلين
في حملة هي الأكبر والأكثر جرأة في مكافحة الفساد منذ سنوات طويلة، نفذت قوات عراقية خاصة حملة اعتقالات واسعة في بغداد ومحافظات مختلفة، طاولت سياسيين ومسؤولين بارزين وأعضاء برلمان، ضمن تحقيقات فتحتها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي.

الحملة التي تشير مصادر حكومية خاصة، إلى أنها ستتواصل، مع وضع أسماء مسؤولين كبار على لائحة منع السفر، ترتبط بقضايا فساد تصل إلى أكثر من 3 مليارات دولار، ضمن وزارتي النفط والكهرباء، مع تأكيدات أن وزارتي الدفاع والهجرة مرشحة لفتح ملفات فساد عديدة داخلها، ترتبط بفترة حكومة محمد شياع السوداني.

وشملت الاعتقالات أكثر من 30 شخصية، بينهم نواب حاليون وسابقون، ووزراء سابقون، ومسؤولون حكوميون لا يزالون يشغلون مناصب تنفيذية، فضلاً عن شخصيات سياسية بارزة تعد من الأسماء المؤثرة في المشهد السياسي العراقي، إضافة إلى عدد آخر من المطلوبين لم يتم القبض عليهم خلال المداهمات الأولى بسبب عدم وجودهم في أماكن إقامتهم لحظة تنفيذ العمليات، فيما تواصل الأجهزة الأمنية عمليات البحث والتعقب لتنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم. 

ومن أبرز الأسماء الواردة في الاعتقالات، مثنى السامرائي، زعيم تحالف العزم، ثاني أكبر التحالفات السياسية العربية السنية، ومدير مكتبه الخاص، والنائبة عالية نصيف، والنائب زياد الجنابي، والنائب محمد المياحي، والنائب هند العباسي، والنائب بهاء النوري، ووكيل وزارة النفط علي البهادلي، والنائب حسن الخفاجي، والنائب محمد الكربولي، والنائب محمد الصيهود، والسياسي إبراهيم الصميدعي، والنائب مضر الكروي، إلى جانب عباس السوداني، شقيق رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، إلى جانب سياسيين ومسؤولين آخرين، بلغ عددهم الإجمالي لغاية الآن 37 شخصية سياسية وحكومية وبرلمانية، وسط ترقب لصدور بيان رسمي بالأسماء. 

ونفذت الحملة، قوات جهاز مكافحة الإرهاب، والعمليات الخاصة، داخل المنطقة الخضراء ببغداد، وفي الأنبار ونينوى وبابل وصلاح الدين، والبصرة، وواسط، وأربيل.

وجاءت الحملة وفقاً لأوامر قبض قضائية، بعد رفع الحصانة عن عدد من نواب البرلمان الذين تم اعتقالهم، وضمن تنسيق بدا متفقاً عليه بين مجلس القضاء الأعلى، والحكومة ورئاسة البرلمان، بناء على اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط المعتقل منذ مطلع الشهر الحالي، عدنان الجميلي، والذي صادرت قوات الأمن أكثر من 100 مليار دينار عراقي (نحو 70 مليون دولار) وجدت في أماكن متفرقة تحت بلاط منزله، ومخزن مهجور ومزرعة يملكها، إلى جانب عشرات العقارات التي حجزتها هيئة النزاهة لغاية الآن، إلى جانب اعتقال علاء سمير مدير كهرباء وسط العراق، ومصادرة 76 مليار دينار وجدت في مزرعة خاصة له شرقي الفلوجة. 

وتضمنت اعترافات الجميلي، تعامله مع مسؤولين وسياسيين موّل حملاتهم الانتخابية، وقدم لهم مبالغ مالية كبيرة، إلى جانب تكشف صفقات فساد أخرى خلال التوغل في عملية التحقيق، وفقاً لمسؤول بهيئة النزاهة، قال إن "بعض المتهمين مرتبطون بجرائم غسل أموال، وتمويل جماعات وفصائل مسلحة".

وبينت المصادر، أن جميع عمليات الاعتقال نفذت بموجب مذكرات قبض صادرة عن القضاء العراقي، وجرى التنسيق المسبق مع رئاسة مجلس النواب لاستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة برفع الحصانة عن النواب المشمولين بالأوامر القضائية، مع إبقاء تلك الإجراءات بسرية تامة لمنع تسريب المعلومات أو إتاحة الفرصة أمام المطلوبين للهروب أو مغادرة البلاد قبل تنفيذ الأوامر.

وكشفت أن "الجهات القضائية أصدرت أوامر بمنع سفر عدد من الشخصيات السياسية والحكومية التي وردت أسماؤها في التحقيقات الأولية، بانتظار استكمال التحقيقات وتقييم الأدلة المتوفرة بحقها، كما أن التحقيقات مع المعتقلين قد تقود إلى الكشف عن شخصيات أكثر نفوذاً خلال الأيام المقبلة، في ظل استمرار جمع الأدلة وتتبع مسارات الأموال والعقود والملفات المرتبطة بقضايا الفساد".

فريق أميركي يشارك في التحقيقات

وتؤكد معلومات من مصادر خاصة، أن فريق تحقيقات أميركي كان في بغداد طوال الأيام الماضية، للتحقيق بملفات مرتبطة بتمويل جماعات وفصائل مسلحة من خلال عقود وصفقات نفطية عراقية، أبرزها مصفاة بيجي وحمام العليل في صلاح الدين ونينوى.

وأكدت المصادر ذاتها، أن التحقيقات توصلت إلى شبكة تمويل تشمل سياسيين سنة وأكراداً أيضاً، قائمة على عمليات فساد واسعة، وفرت مصدر تمويل ضخم لمجاميع مسلحة، مؤكدة أن حراكاً سياسياً واسعاً في بغداد، يجري حالياً، لمنع توسع الإجراءات لتشمل قيادات سياسية وحكومية سابقة، أبرزهم رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

وأكدت المصادر المطلعة أن "الحملة الأمنية لن تقتصر على بغداد، إذ تستعد الأجهزة المختصة لتوسيع نطاق عملياتها خلال الساعات والأيام المقبلة لتشمل عدداً من المحافظات العراقية، في إطار خطة أمنية وقضائية تهدف إلى تنفيذ جميع أوامر القبض الصادرة بحق المطلوبين، وسط توقعات بأن تطال شخصيات سياسية وإدارية إضافية".

وشهدت بغداد إجراءات أمنية مكثفة وشوهدت دبابات وعربات مدرعة تنتشر في مناطق من وسط العاصمة، مع تحليق طائرات مروحية على علو منخفض.

السياسي العراقي المستقل طلال الجبوري قال، إن "الشارع العراقي كان رد فعله سريعاً في دعم الحملة الحكومية ضد المتهمين بقضايا الفساد، وهي تمثل اختباراً حقيقياً لجدية الدولة في محاسبة الفاسدين واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات".

وبين الجبوري أن "فتح هذا النوع من الملفات الكبيرة لم يكن ليحدث لولا وجود ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، وفي مقدمتها الضغوط الأميركية الواضحة على الحكومة العراقية للمضي في ملفات الفساد الكبرى ومحاسبة المتورطين فيها".

وأضاف أن "الإدارة الأميركية وضعت مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية ضمن أولويات تعاونها مع بغداد، وأن استمرار الدعم الأميركي للعراق خلال المرحلة المقبلة مرتبط، إلى حد كبير، بإظهار خطوات عملية وجدية في هذا الملف".

وأكد أن "رئيس الوزراء علي الزيدي يدرك حساسية المرحلة، ولذلك اختار إطلاق هذه الحملة قبل زيارته المرتقبة إلى واشنطن منتصف الشهر المقبل، بهدف توجيه رسالة واضحة بأن الحكومة عازمة على فتح الملفات المغلقة وعدم التراجع أمام الضغوط السياسية".

وتابع أن "نجاح الحملة لن يقاس بعدد المعتقلين فقط، بل بقدرة القضاء على الوصول إلى الرؤوس الكبيرة واسترداد الأموال المنهوبة وإصدار أحكام عادلة تستند إلى الأدلة والقانون، كما يجب حماية التحقيقات من أي تدخلات سياسية أو صفقات قد تؤدي إلى إفراغها من مضمونها". 

ويرى متابعون أن نجاح هذه الحملة سيظل مرهوناً باستقلالية القضاء، واستمرار الإجراءات القانونية بعيداً عن الضغوط السياسية، وصولاً إلى محاكمات عادلة تستند إلى الأدلة والقرائن القانونية، بما يعزز ثقة العراقيين بمؤسسات الدولة وسيادة القانون. كما يصف مراقبون هذه التطورات بأنها تمثل، أكبر حملة اعتقالات تستهدف شخصيات سياسية رفيعة المستوى في تاريخ العراق الحديث، لما تحمله من أبعاد سياسية وقضائية وأمنية، ولارتباطها بملفات فساد لطالما شكلت محوراً للجدل الشعبي والسياسي طوال السنوات الماضية.

في المقابل قال الباحث في الشأن الاستراتيجي علي الجبوري، إن "الحملة الأمنية الأخيرة ضد المتهمين بقضايا الفساد تمثل تحولاً سياسياً كبيراً في طريقة تعامل الحكومة مع هذا الملف، والضغوط الأميركية كانت عاملاً رئيسياً في دفع بغداد نحو فتح ملفات الفساد الكبرى التي بقيت مجمدة لسنوات".

وأضاف الجبوري أن "الولايات المتحدة أوصلت رسائل واضحة وصريحة إلى الحكومة العراقية بأن استمرار الشراكة والدعم السياسي والاقتصادي والأمني خلال المرحلة المقبلة يتطلب خطوات حقيقية في مكافحة الفساد، وعدم الاكتفاء بالشعارات أو الإجراءات الشكلية، وهذا ما أبلغه به مبعوث ترامب للعراق توم باراك كلّاً من رئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد".

وأكد أن "الحكومة استجابت لهذه الرسائل، وبدأت بتنفيذ إجراءات غير مسبوقة طالت شخصيات تمتلك نفوذاً سياسياً وإدارياً كبيراً، وهو ما يؤكد وجود قرار سياسي بالمضي نحو محاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم، كما أن رئيس الوزراء علي الزيدي يدرك أن زيارته المرتقبة إلى واشنطن ستكون محطة مهمة في رسم طبيعة العلاقات الثنائية، ولذلك أراد أن يذهب إلى الولايات المتحدة وهو يحمل مؤشرات عملية تؤكد جدية حكومته في فتح ملفات الفساد".

وبين أن "ما جرى لن يكون نهاية المطاف، بل يمثل بداية مرحلة جديدة ستشهد إجراءات أكثر قوة واتساعاً، لأن الحكومة أصبحت تمتلك دعماً سياسياً وقضائياً داخلياً، إلى جانب دعم دولي واضح، وفي مقدمته الدعم الأميركي لاستمرار ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال العامة، ونتوقع خلال الأسابيع المقبلة صدور مذكرات قبض وإجراءات قانونية جديدة بحق شخصيات أكثر نفوذاً، لأن ملف الفساد دخل مرحلة مختلفة، ولم يعد بالإمكان إغلاقه أو تأجيله كما كان يحدث في السابق".

وكانت السلطات العراقية قد ألقت، الشهر الماضي، القبض على وكيل وزير النفط لشؤون التصفية (مدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي) عدنان حمد حمود على خلفية قضايا فساد.

وقبل ذلك، أقرّ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مشروعاً يقضي بتشكيل "المجلس الأعلى للنزاهة"، في أولى خطوات حكومته تجاه ملف الفساد. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن إجمالي الأموال التي نُهبت نتيجة عمليات الفساد في العراق منذ عام 2003 يقترب من تريليون دولار. كما تراجع العراق إلى المرتبة 140 عالمياً في مؤشرات الشفافية الدولية، واحتل المرتبة الثامنة عربياً ضمن قائمة الدول الأكثر فساداً، بحسب مؤشرات ومنظمات دولية.

ومنذ أكثر من 22 عاماً، يعاني العراق تفشي الفساد واستنزاف موارد الدولة، رغم أنه يُعد من أغنى دول العالم بالنفط والثروات الطبيعية. وبينما تتواصل عمليات الهدر وسوء الإدارة، يزداد الفقر بين المواطنين وتتعمق الأزمات المعيشية، ما يدفع أعداداً متزايدة من الشباب إلى التفكير في الهجرة والبحث عن فرص عمل خارج البلاد، في ظل تفاقم المشكلات الاجتماعية وغياب الإصلاحات البنيوية المطلوبة.




المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!