RSS
2026-08-13 14:55:44

ابحث في الموقع

صانع الوعي في أمة الحسين (عليه السلام)

صانع الوعي في أمة الحسين (عليه السلام)
بقلم علاء حيدر السلامي

رغم ترددي في كتابة هذا العمود الذي يتطلب قاعدة فكرية متينة ، الا أنني تجرأت على كتابته يقينا مني باهميته وانطلاقا من امرين بنيتها خلال توفيقي بالحضور في بعض المجالس الحسينية في شهري الاحزان ، الاول هو تنوع أفكار وثقافات وأعمار الحاضرين والثاني التنوع الملحوظ بين طرح الخطباء زاد الله في توفيقهم .

ان المنبر الحسيني كما معلوم لم يكن عبر التاريخ مجرد منصة اعلامية او اطار اجتماعي عابر بل شكل على الدوام مدرسة ومؤسسة راسخة لصناعة الوعي الاهم في وجدان الامة وان اعتلاء درجات المنبر الطاهر ليس مجرد حضور شكلي في المجالس بل هو تصد صريح لمسؤولية رسالية تهدف الى حفظ الامتداد الفكري والاخلاقي لنهضة سيد الشهداء عليه السلام وتجذير قيمها في الواقع المعاش.

ان الدور الحقيقي للخطيب الحسيني يتجاوز حدود استثارة العاطفة وتهيجة الدمعة الشريفة على الرغم من أهميتها العظمى ورمزيتها العميقة ليصل الى المهمة الاساسية الكبرى وهي ترسيخ المعرفة الحقيقية بمنهج الرسول الاعظم محمد صل الله عليه واله واهل بيت النبوة سلام الله عليهم اجمعين، فالخطيب البارع هو الجسر الاصيل الذي يعبر عليه الجمهور لنيل العلوم القرانية والفقهية والعقائدية التي نطق بها الهداة الميامين ، والخطيب الموفق هو من يستطيع نقل الحقائق التاريخية بادلة قاطعة ، وربط تلك السيرة العطرة بالواقع ، وتقديم معارفهم الصافية كحلول ناجعة للمشكلات النفسية والاجتماعية والفكرية التي تعصف بالفرد والمجتمع لاسيما في الوقت الراهن .

ولكي يؤدي المنبر أثره البالغ لا بد للخطيب أن يحوز مقومات شخصية فريدة وكاريزما خاصة تجعل كلماته تنفذ من الآذان إلى عمق القلوب فالعمق العلمي والرصانة الفكرية هما اصل الهيبة فوق المنبر والصدق والاخلاص هما السر في سريان الكلمة إلى ارواح المستمعين ، اذ ان الخطيب الذي يعيش الم المأساة وقيمة المبدا يلمس جمهوره بصدق شعوره لا بتصنعه.

تكتمل تلك الشخصية المنبرية بالبيان الناصع والفصاحة السلسة والقدرة على التحكم بإيقاع المجلس بين الطرح الفكري الرصين والاداء العاطفي المؤثر ، على ان هذا الامر لاياتي اكيدا الا عن بحث متواصل ومستمر بجميع العلوم والمباني العلمية والفقهية والدينية العامة كونه يخاطب جمهورا تختلف فئاته المجتمعية ، وهنا تكمن قوة الطرح في ايصال الفكرة او الخطبة على عموم الجالسين دون ان يشعر اي شخص منهم بان ماطرح له لغة خاصة ، او عامة لايتقبلها المثقفون او المطلعون كثيرا بتلك العلوم .

اضف الى ذلك من امر ضروري اخر لابد ان ياخذ بنظر الاعتبار من شخصية الخطيب الحقيقية التي لايمكن ان تتوقف عند حدود المجلس بل تتعدى الى تعاملته اليومية التي يراقبها جمهوره بدقة خاصة اولئك الذين يعتبرونه قدوة ، فتواضع الخطيب وزهده وحسن تعامله مع الناس هي العوامل الاساسية التي تمنح كلامه المصداقية القاطعة والقبول المستمر يضاف إلى ذلك وعيه الحاد بمتطلبات عصره ومخاطبته للشباب بلغتهم وفهمه للشبهات المعاصرة وتفنيدها باسلوب واع يجمع بين الحكمة والموعظة الحسنة.

إن المنبر الحسيني امانة الهية ثقيلة والخطيب الناجح هو الحارس الامين لهذه الامانة وحين تجتمع المعرفة العميقة مع الكاريزما الصادقة والاخلاق الملموسة يتحول المجلس الحسيني من مجرد ذكرى عابرة إلى محطة تغيير حقيقي تُخرج أجيالاً واعية تسير على طريق الامام الحسين عليه السلام فكراً وسلوكاً وموقفا.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!