{وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}.
وهُم على [٣] أَقسامٍ؛ وقبلَ ذلكَ دعنا نتأَكَّد من مَعنى المُصطلحِ لنعرِفَ ما يعنيهِ أَن يكونَ المرءُ خصيماً للخائنينَ؟! ولِماذا؟!.
فالخيانةُ هي نقضٌ للعهدِ وغدرٌ بالثِّقةِ وارتكابُ أَعمالٍ تضرُّ بالدِّينِ أَو الوطنِ أَو الصَّداقةِ فهي بكلمةٍ، عكسُ الأَمانة والإِخلاص {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ} {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ}.
ولعلَّ من أَخطرِ وأَسوءِ أَنواعِ الخيانةِ هي الخيانةُ المعنويَّةُ عندما يغشُّ النَّاصِحُ بالنَّصيحةِ، فما بالكَ إِذا كانت على مُستوى الأُمَّة؟!.
يوصي أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) ولدهُ الحسَن السِّبط (ع) {وامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً} ويقولُ (ع) في عهدهِ لمَن كان يولِّيه على الصَّدقاتِ {ومَنِ اسْتَهَانَ بِالأَمَانَةِ ورَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ ولَمْ يُنَزِّه نَفْسَهُ ودِينَهُ عَنْهَا فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ والْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا وهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذَلُّ وأَخْزَى وإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأُمَّةِ وأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الأَئِمَّةِ}.
والخيانةُ هُنا على المُستويَينِ المادِّي بسرقةِ المالِ العامِّ مثلاً اَو التَّفريط بخيراتِ الأُمَّة التي حبَاها بها ربُّ العالمينَ والمَعنوي بالوَلاءِ للغُرباءِ الذينَ يبيعونهُم مصالحَها وحقُوقها وحدُودها!.
ويصفُ (ع) بعضُ عُمَّالهِ بالتَّمسكُنِ لنيلِ الثِّقةِ حتَّى إِذا واتتهُ الفرصةَ خانَ الأَمانةَ {فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ وعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ واخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَصُونَةِ لأَرَامِلِهِمْ وأَيْتَامِهِمُ اخْتِطَافَ الذِّئْبِ الأَزَلِّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ} وهيَ حالُ مَن ينقلبُ على مبادئهِ التي ظلَّ يُتاجرُ بها عندَما كانَ خارج السُّلطةِ!.
وبإِزاءِ الخيانةِ يجبُ التَّعامل بحزمٍ وحسمٍ لا هوادةَ فيها إِذ لا يجوزُ التستُّر على الخيانةِ والتَّبريرِ للخائنِ والسُّكوتِ عن جريمتهِ العُظمى خاصَّةً مَن يتصدَّى منهُم للشَّأنِ العامِّ فلا ينبغي أَن يشفعَ لهُ تاريخهُ [الجِهادي] أَو كَونهُ من [الرَّعيلِ الأَوَّل] أَو خلفيَّتهِ الدينيَّةِ والمذهبيَّةِ!.
يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في عهدهِ للأَشترِ لمَّا ولَّاهُ مِصر {فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ وأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ووَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ}.
أَمَّا الذينَ يكونونَ {لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} فهُم على [٣] أَنواع كما أَسلفنا؛
*مُغفَّلٌ لم يطَّلع على حقيقةِ الخونةِ فيُبرِّرُ لهُم ويُحامي ويُدافعُ عنهُم ويتخاصَمُ مع الآخَرينَ لأَجلهِم ويخسرُ أَصدقاءهُ ويفقُدُ مصداقيَّتهُ ويُضيِّعُ جهدهُ لصالحهِم، وهؤُلاء هُم الذينَ يصفهُم أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بقولهِ {لَا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لِاسْتِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ}.
فهل يشفعُ الجهلُ للمرءِ الذي يكونُ خصيماً للخائِنينَ؟!.
بالتَّأكيد كلَّا، فالمُغفَّلُ والجاهِلُ بحقائقِ الأُمورِ عليهِ أَن يستفهِمَ ويحقِّقَ ويُدقِّقَ ويُصغي إِلى الخُبراءِ الثُّقاة {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} إِذا سمعهُم ينتقدُونَ ويفضحُونَ ويكشفُونَ الحقائقَ فلا يُقاطِع أَو يتَّهِم أَو يتعصَّب وعليهِ أَن لا يقبلَ لنفسهِ أَن يعبُدَ صنماً على حسابِ الحقائقِ، فالدِّفاعُ عن الخائنينَ لا يقلُّ خطراً عن أَفعالِ الخائنينَ أَنفسهُم، فالخائنُونَ يتستَّرونَ بالمغفَّلينَ والمُضلَّلينَ لحمايةِ أَنفسهِم وتبرئةِ أَفعالهِم الحَقيرة، فلقد وردَ في الحديثِ الشَّريفِ عن رسولِ الله (ص) {مَن كثَّرَ سوادَ قَومٍ فَهوَ منهُم ومَن رضيَ عملَ قومٍ كانَ شَريكَ من عمِلَ بِهِ}.
ولذلكَ ينبغي أَن يُدقِّقَ المرءُ بخليلهِ ورفيقهِ و [زعيمهِ وراس تاجهِ] قبلَ أَن يُؤَيِّدهُ ويُبرِّرَ لهُ، فالتَّأييدُ بحرفٍ مسؤُوليَّةٌ أَو أَن يكونَ مِصداقاً لقَولِ الله تعالى {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} فالغفلةُ لا تشفَع والجهلُ لا يُبرئ الذمَّة كما أَنَّ الخوفَ لا يُشرعن الدِّفاع عن الخائنينَ أَبداً.
مَن يكُونُ {لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} عن جهلٍ هوَ جهلٌ مُركَّبٌ!.
يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {مَا أَخَذَ اللَّه عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا} فلماذا يُمنَعُ أَهلَ العِلمِ والمعرِفةِ ببواطنِ الأُمورِ وأَهلِ الخِبرةِ من الإِشهارِ عن علمهِم وعن المعلُومات التي يمتلكونَها عن الخائنينَ فيُتَّهمونَ بشتَّى التُّهَم ويُشتَمونَ لتسقيطهِم ثمَّ ترى من الجهلةِ والأُميِّينَ والمُغفَّلينَ سعيهُم للهربِ من المسؤُوليَّة عندَ لحظةِ ظهورِ الحقائقِ بذريعةِ أَنَّهم كانُوا لا يعلمُونَ ولو كانُوا يعلمُونَ لما حمَوا الخائنينَ ولما كانُوا حطباً لنيرانِ فسادهِم وسرقاتهِم وخياناتهِم! {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ} إِعترافٌ متأَخِّرٌ وبعدَ فواتِ الأَوانِ!.
وقسمٌ مُستفيدٌ منهُم فهوَ جزءٌ من منظومتهِم يسرقُ المالَ العام وينزُو على موقعٍ هو ليسَ لهُ ولا من حقِّهِ، رصيدهُ الشَّخصي الوحيد هوَ ولاءهُ للفاسدِ ودفاعهُ عنهُ وتبريرهُ لهُ! ولذلكَ فهُم عندما يتخاصمُونَ عن الخائنينَ ويبرِّرونَ لهُم فإِنَّما يبرِّرونَ لأَنفسهِم أَفعالهُم المشِينة.
وقسمٌ لا أُباليٌّ فهُم على صوتِ الطَّبلِ والمزمارِ تخفُّ أَقدامهُم فيتحرَّكونَ ويرقصُونَ، وبمعنى آخر إِنَّهم معَ القويِّ ومعَ صاحِبِ السُّلطةِ حتَّى إِذا كانَ شيطاناً على الرَّغمِ من أَنَّهُ لم يستفِد شيئاً من الخائنينَ ومعَ ذلكَ نراهُ يلهث كالكلبِ خلفَ مواكبهِم صارخاً [بالرُّوح بالدَّم].
وهؤُلاء يمكنُ أَن يشتريهِم الخائنونَ بأَبخسِ وأَتفهِ الأَثمانِ، فلقد أُتِيَ لأَميرِ المُومنينَ (ع) بِجَانٍ ومَعَهُ غَوْغَاءُ فَقَالَ {لَا مَرْحَباً بِوُجُوه لَا تُرَى إِلَّا عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ}.
وهُم أَشقى الخَلق، فعندما سُئِلَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) عن أَيِّ الخلقِ أَشقى؟! قالَ {مَنْ باعَ دِينَهُ بِدُنْيا غَيْرِهِ}.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!