مضت أيام الأربعين، وسكنت خطى السائرين، وطويت الموائد التي امتدت للغريب قبل القريب، وخفتت أصوات المنادين على الماء والطعام، وعاد الطريق إلى صمته بعد أن كان بحرًا من الرؤوس والرايات. ولكن، اكلما انتهى الطريق انتهت الرسالة؟، وأكلما رفعت القدور رفع الكرم؟، وأكلما انفض الجمع انفضت الأخلاق؟.
كلا. إنما تعرف حقيقة المسير بعد انقضاء المسير، ويعرف صدق الدمع حين تجف العيون، ويعرف أثر الحسين في المرء حين يعود إلى الناس، لا حين يكون بين الرايات والجموع. فليس كل من مشى وصل، ولا كل من بكى وعى، ولا كل من خدم أياما صار من أهل الخدمة. قد تطوي القدم مسافات بعيدة، ويبقى القلب في موضعه؛ وقد يرفع المرء راية الحق، ولا يرفع ظلما عن ضعيف في بيته أو عمله. إن الطريق إلى الحسين أيسر من الطريق مع الحسين؛ لأن الأول تقطعه الأقدام، والثاني تقطعه النفوس، وما أثقل سفر النفس من هوى إلى هدى، ومن قول إلى فعل، ومن صورة يراها الناس إلى سريرة لا يراها إلا الله. في الأربعين رأينا أيديًا تطعم ولا تسأل، وبيوتًا تفتح ولا تشترط، ووجوهًا تسهر كي يستريح عابر لا تعرف اسمه ولا بلده. ورأينا الفقير يبذل من قلته ما يعجز الغني عن بذله من كثرته، لأن الغنى غنى اليد عما تمسك، لا كثرة ما تملك. كان الرجل يقف عند الطريق يحمل قدح ماء، فيحسبه الناظر أمرًا صغيرًا، وما كان صغيرًا؛ فإن العمل لا يصغر بقلة حجمه، وإنما يصغر بخلوه من الإخلاص. ورب شربة ماء رفعت صاحبها، ورب مائدة عظيمة وضعت صاحبها، لأن الأولى خرجت من قلب لا يطلب إلا القبول، والثانية خرجت من نفس لا تطلب إلا الظهور.
وهناك من نظف الطريق بعد أن عبره الجميع، فلم تلتفت إليه العدسات، ولم يرفع له اسم، ولم تكتب عنه القصائد. ولكنه كان أقرب إلى روح الخدمة ممن ملأ الدنيا حديثًا عن خدمته؛ فالخير الصامت أبلغ من المديح الصاخب، والعمل الذي لا يراه الناس لا يضيع عند من لا تخفى عليه خافية. وهناك أم فتحت بيتها للغرباء، فوسعت عليهم المكان وإن ضاق، وقدمت إليهم الطعام وإن قل. لم تسألهم عن أسمائهم، لأن الجائع لا يحتاج إلى تحقيق في نسبه، والمتعب لا يحتاج إلى سؤال عن مذهبه، والإنسان حين يطرق باب الرحمة لا يكون غريبًا. وهناك طفل حمل الخبز بيدين صغيرتين، فكان أكبر من كثير من الرجال؛ إذ ليست الرجولة بطول القامة، ولكن بطول الهمة، ولا يُقاس المرء بما يستطيع أن يأخذ، بل بما يقدر أن يعطي. ثم انقضت الأيام، وجاء اليوم الحادي والأربعون.
وهنا يبدأ السؤال الذي نهرب منه: ماذا بقي فينا؟، هل بقيت سعة الصدر بعد أن ضاقت الطرق؟، هل بقي الكرم بعد أن أغلقت المواكب؟، هل بقيت الرحمة حين عدنا إلى منازلنا؟، هل نحسن إلى أهلنا كما أحسنا إلى الغرباء؟، هل نوقر العامل البسيط كما وقرنا خادم الزائرين؟، هل نطعم جائع الحي كما أطعمنا عابر الطريق؟، وهل نرفع الظلم عن إنسان قريب، كما رفعنا أصواتنا في وجه ظلم بعيد؟، إن من العجب أن يسكب المرء الماء لغريب في الطريق، ثم يحرم أهله كلمة طيبة؛ وأن ينحني لخدمة زائر، ثم يتكبر على عامل؛ وأن يبكي مظلومًا مضى قبل قرون، ثم يمر بمظلوم في زمانه فلا يرى فيه إلا عبئًا على راحته. فما نفع دمعة لا تمنع ظلمًا؟، وما نفع راية لا تهدي سلوكًا؟، وما نفع طريق ينتهي عند باب البيت، ولا يدخل معه إلى القلب؟.
ليس الوفاء للحسين أن نكثر الحديث عنه، بل أن يقل الظلم على أيدينا. وليس حبه أن نحزن لمصابه وحده، بل أن نحزن لكل حق يغصب، ولكل ضعيف يهان، ولكل جائع ينسى. فمن أحب العدل ثم جار، فقد أحب اسمه وكره معناه؛ ومن رفع شعار التضحية ثم عبد مصلحته، فقد سار بجسده وخذل بروحه. إن الحسين لا يحتاج منا إلى كلمات تزيد مقامه، ولكننا نحتاج إلى معناه كي يزيد مقامنا. فلا ترفع الذكرى من لم ترفعه أخلاقه، ولا يطهر الدمع قلبا مصرا على القسوة، ولا تغني كثرة الخطوات عن خطوة واحدة يخطوها الإنسان نحو إنصاف من ظلمه. الأربعون ليست عددًا من الأيام فحسب، بل مرآة يبصر فيها المرء نفسه: أكان خادما حقا أم طالب صورة؟ أكان سائرًا إلى قيمة أم إلى مناسبة؟ أكان عطاؤه طبعًا يستمر، أم حماسة تنطفئ بانطفاء المصابيح؟.
فمن عاد من الطريق أكثر تواضعًا، فقد وصل.
ومن عاد أرحم بأهله، فقد وصل.
ومن عاد أبعد عن الظلم، فقد وصل.
ومن عاد وفي يده عون للضعيف، وفي لسانه ستر للناس، وفي قلبه متسع للمختلف عنه، فقد عرف شيئًا من معنى الوصول.
أما من رجع كما ذهب، يحمل الأخلاق نفسها، والخصومات نفسها، والغلظة نفسها، فما قطع إلا ترابًا، وما عبر إلا مسافة. أيها العائدون من الأربعين، لا تجعلوا آخر الخدمة آخر الطريق، ولا تجعلوا رفع الرايات رفعًا للعهد. إن الأواني تجمع، والخيام تطوى، والخطوات تهدأ، ولكن الإنسان الذي استيقظ فيه معنى العطاء ينبغي ألا يعود إلى نومه القديم. اجعلوا من بيوتكم مواكب رحمة، ومن أعمالكم طرقًا للعدل، ومن كلماتكم ماءً لا نارًا. أطعموا من لا تلتقط لكم معه صورة، واسندوا من لا يملك أن يكافئكم، واعتذروا لمن ظلمتموه، وأنصفوا من خالفكم، فإن الامتحان ليس في خدمة من تحب، بل في العدل مع من لا تحب. واعلموا أن الناس لا يحتاجون إلى مزيد من الخطب عن الفضيلة، بقدر حاجتهم إلى إنسان فاضل. ولا يحتاجون إلى من يدلّهم على الطريق بلسانه، ثم يقطع عليهم الطريق بفعله. لقد انتهت الأربعينية في التقويم، لكنها لا ينبغي أن تنتهي في الضمير. فاليوم الحادي والأربعون ليس يوم الانصراف من الحسين، بل يوم العودة به إلى الحياة؛ يوم يتحول فيه الدمع إلى رحمة، والشعار إلى خُلُق، والزيارة إلى مسؤولية.
فإن بقي الحسين في سلوكنا، لم تنتهِ الأربعون.
وإن غاب عن عدلنا ورحمتنا، فما بدأت فينا يومًا.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!