RSS
2026-05-01 12:01:27

ابحث في الموقع

حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. صَومُ الصَّمتِ

حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. صَومُ الصَّمتِ
بقلم: نزار حيدر

{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}.

  في الحالاتِ التَّاليةِ قد تحتاجُ إِلى الصَّمتِ وعدم البَوح بأَفكاركَ:

  ١/ إِذا تحكَّمَ العقلُ الجمعي بالشَّارع، فلم تجِد مَن يُصغي إِليكَ وإِذا وجدتهُ لم تجِد الذي يُقلِّبُ رأيكَ بعقلهِ وليسَ بالعقلِ الجمعي السَّائد، قبلَ أَن يحكُمَ عليكَ! ففي مثلِ هذهِ الحالةِ يلزمكَ أَن تحترِمَ علمكَ أَو أَن يضيعَ فيضيعُ الجاهِلُ كما يصفُ ذلكَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بقولهِ {فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ}.

  ٢/ إِذا خيَّمَ الإِرهابُ الفكري وتمَّ قمعُ حريَّة التَّعبير، وعلامتهُ أَنَّكَ إِذا اختلفتَ معَ السَّائدِ تنهالُ عليكَ الشَّتائمُ وتطيرُ ضدَّك الشُّبهاتِ حتَّى إِذا سقتَ أَلف دليلٍ ودليلٍ على ما تذهبُ إِليهِ من رأيٍ، فالحكمُ عليهِ يسبِقُ قراءتهُ والتَّأَنِّي لفهمهِ والقبولُ بهِ أَو رفضِهِ، والتُّهمةُ جاهزةٌ على لسانِ الحمقى قبلَ أَن يستوعبُوا كما وصفهُم أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {قَلْبُ الأَحْمَقِ فِي فِيهِ ولِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ} أَو {لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِه وقَلْبُ الأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِه}.

  ٣/ إِذا مرَّ المُجتمعُ بصدمةٍ من نَوعٍ ما يشيبُ منها الرَّضيعُ، ففي هذهِ الحالةِ تتحكَّمُ العواطفُ وتغيبُ العقولُ وتتبعثرُ المقاساتِ وتتحكَّم الإِنفعالات وتغيبُ العقلانيَّة والمنطقُ وتنتشرُ ظاهرة المُداراة على حسابِ الحقائقِ!.

  ٤/ إِذا كنتَ تفكِّرُ خارج الصُّندوق وترى الأُمورَ بطريقةٍ تختلفُ عمَّا يراهُ الآخرونَ ومن علاماتِ ذلكَ وصفُ أَميرِ المؤمنينَ (ع) الحالَ {غَارَ الصِّدْقُ وفَاضَ الْكَذِبُ واسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ وصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً والْعَفَافُ عَجَباً ولُبِسَ الإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً}.

  ٥/ إِذا كانَ وعيكَ للأَشياءِ يفوقُ فهمَ الآخرينَ وسطَ تحكَّمُ عصاباتٍ مجهولةِ الهويَّة في وسائلِ التَّواصل الإِجتماعي لنشرِ الجهلِ والخُرافةِ والتَّسطيحِ والتَّخويف فليسَ أَمامكَ إِلَّا [صَوم الصَّمتِ] فتلكَ حكمةٌ!.

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ!} و {قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ}.

  ٦/ إِذا نصحتَ وكرَّرتَ النُّصحَ حتَّى بحَّ صوتكَ ومن دونِ نتيجةٍ تلمسُها على أَرضِ الواقعِ! كقَولِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) {لَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ!}. 

  ٧/ إِذا سيطرَ الدَّهماءُ على عمليَّةِ صناعةِ الرَّأي العام وإِذا كنتَ في زمنِ التَّفاهةِ أَو ما يُسمَّى اليَوم بـ [تعفُّن الدَّماغ (Brain Rot)] حسبَ مُصطلحِ قاموس أُكسفورد [Oxford] لعامِ [٢٠٢٤] لوصفِ التَّدهور الفكري والعقلي ومن علاماتهِ إِنتشارُ الشَّائعات وتحكُّم الأَخبار المُضلِّلة وسيطرَة السَّذاجة والبَساطة على طريقةِ تفكيرِ النَّاسِ لدرجةٍ أَنَّهم يتَّبعونَ أَثرَ كُلِّ خبرٍ أَو معلومةٍ أَو تحليلٍ أَو صورةٍ أَو مقطعٍ من دونِ أَدنى تفكيرٍ وأَبسطِ إِنتباهٍ أَاقلِّ تحليلٍ! وصدقَ الشَّاعر الدُّؤَلي عندما قالَ؛

  لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم***وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادُوا

  فأَفضلُ لكَ في هذهِ الحالاتِ أَن تحتفظَ بحقِّكَ في الحديثِ وإِبداءِ الرَّأي لأَنَّكَ إِذا لم تُنذر [صَوم الصَّمت] من أَجلِ احترامِ الرَّأي الآخر وتقديراً للوعي والحِكمةِ فستُعرِّض نفسكَ لكلِّ الإِحتمالاتِ التي لا يُحمَد عقباها والتي تصلُ أَحياناً إِلى حدِّ القتلِ واغتيالِ الشخصيَّة والطَّعنِ بالعرضِ والسبِّ والشَّتمِ!.

  يصفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) أَخاً لهُ بالقولِ {وكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِه صَامِتاً} كما وصفَ الصَّمتُ بمثلِ هذهِ الحالاتِ بقولهِ (ع) {بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ} ووصفهُ رسولَ الله (ص) بقولهِ {وصَمْتُهُ لِسَانٌ}.

  كما يصفُ (ع) أَهلَ البيتِ (ع) بقولهِ {هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ ولَا يَخْتَلِفُونَ فِيه فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وصَامِتٌ نَاطِقٌ}.

  وفي وصفهِ للمُؤمنِ يقولُ (ع) {الْمُؤْمِنُ بِشْرُه فِي وَجْهِه وحُزْنُه فِي قَلْبِه أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً يَكْرَه الرِّفْعَةَ ويَشْنَأُ السُّمْعَةَ طَوِيلٌ غَمُّه بَعِيدٌ هَمُّه كَثِيرٌ صَمْتُه مَشْغُولٌ وَقْتُه شَكُورٌ صَبُورٌ مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِه ضَنِينٌ بِخَلَّتِه سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ نَفْسُه أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ}.

  وفي زمنِ التَّفاهةِ يَحارُ العاقِلُ بينَ البوحِ برأيهِ أَو أَن يلتزمَ الصَّمت على أَن يُجاملَ على حسابِ الحقيقةِ خاصَّةً في حالِ الغضبِ لله تعالى ومن أَجلِ الحقِّ وردِّ الأَكاذيبِ ومُحاولاتِ التَّضليلِ، ولقد وصفَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) الحالةَ بقَولهِ {مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ؟! أَحِينَ أَعْجِزُ عَنِ الِانْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي لَوْ صَبَرْتَ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي لَوْ عَفَوْتَ؟!}.

  كما يصفُ (ع) حالةً أُخرى في نفسِ السِّياقِ بقَولهِ {فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا؛ حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا؛ جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا والَّتِي! واللَّه لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّه}.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!