RSS
2026-04-02 15:15:57

ابحث في الموقع

أزمة سيولة في العراق: تأخر رواتب الموظفين يثير القلق الشعبي

أزمة سيولة في العراق: تأخر رواتب الموظفين يثير القلق الشعبي
يشهد العراق حالة من القلق الشعبي المتصاعد عقب تأخر صرف رواتب الموظفين الحكوميين عن موعدها المعتاد، في تطور غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بالاستقرار المالي وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية. فبالرغم من أن الآليات المالية المعتمدة تنص على صرف الرواتب بين الرابع والعشرين والخامس والعشرين من كل شهر كحد أقصى، إلا أن الموظفين لم يتسلموا مستحقاتهم حتى الآن، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول حجم السيولة النقدية المتوفرة لدى الحكومة.

ويكتسب هذا التأخير حساسية استثنائية في بلد يعتمد فيه نحو 7 ملايين مواطن بصورة مباشرة على الرواتب الحكومية وشبكات الحماية الاجتماعية، فيما ترتبط معيشة ما يقارب ثلثي السكان بشكل غير مباشر بالإنفاق العام، وفق تقديرات اقتصادية محلية. ومع غياب مصادر دخل بديلة لغالبية الأسر، تحول تأخر الرواتب إلى مؤشر مقلق يلامس الأمن الاقتصادي والاجتماعي في آن واحد.

وتأتي هذه التطورات في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد ألقت بثقلها على الاقتصاد العراقي المعتمد بصورة شبه كلية على العائدات النفطية، التي تمثل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة ونحو 85% من موارد العملة الصعبة. فقد أدى توقف صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة إلى تراجع التدفقات المالية الخارجية بشكل حاد، ما انعكس مباشرة على قدرة الحكومة في توفير السيولة اللازمة للإنفاق التشغيلي، وفي مقدمته الرواتب.


وتشير تقديرات خبراء اقتصاديين إلى أن خسارة العراق لصادراته النفطية تعني فقدان إيرادات يومية تتجاوز 250 إلى 300 مليون دولار، استناداً إلى متوسط صادرات يقارب 3.3 ملايين برميل يومياً. ومع استمرار التعطل، تواجه المالية العامة ضغطاً متزايداً قد يتحول خلال الشهرين المقبلين إلى أزمة سيولة فعلية، خصوصاً مع ارتفاع حجم الإنفاق الحكومي السنوي الذي تتجاوز فيه فاتورة الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية حاجز نحو 53.8 مليار دولار أميركي سنوياً.


ويقول عارف الحمامي عضو مجلس النواب العراقي ، لـ"النهار"، ان "تأخر صرف رواتب الموظفين يمثل مؤشراً مالياً مقلقاً يستدعي تحركاً عاجلاً من السلطتين التشريعية والتنفيذية لتفادي تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة قد تمس الاستقرار الداخلي خلال الفترة المقبلة".


وبين الحمامي ان "البرلمان تلقى خلال الأيام الماضية شكاوى متزايدة من موظفين ومؤسسات حكومية بشأن عدم صرف الرواتب ضمن التوقيتات الزمنية المعتمدة، ومجلس النواب بدأ بالفعل إجراءات رقابية لمتابعة أسباب التأخير والوقوف على حجم الأزمة المالية الحقيقية التي تواجهها الحكومة".


وأضاف ان "لجنة المالية النيابية شرعت بطلب استضافة المسؤولين في وزارتي المالية والتخطيط، إضافة إلى مسؤولي البنك المركزي، بهدف الحصول على توضيحات رسمية بشأن مستويات السيولة النقدية والإجراءات المتخذة لضمان استمرار دفع الرواتب دون انقطاع، والبرلمان لن يسمح بتحويل الأزمة المالية إلى عبء مباشر على المواطنين".


وأكد ان "اعتماد الاقتصاد العراقي شبه الكامل على الإيرادات النفطية جعل المالية العامة عرضة للصدمات الخارجية، لاسيما بعد تراجع التدفقات المالية نتيجة توقف جزء صادرات النفط بسبب التوترات الإقليمية، الأمر الذي انعكس على قدرة الحكومة في إدارة النفقات التشغيلية، وفي مقدمتها الرواتب التي تمثل النسبة الأكبر من الإنفاق العام".


وتابع الحمامي ان "خطورة الموقف لا تكمن فقط في تأخر الرواتب لشهر واحد، بل في احتمال تكرار الأزمة خلال الأشهر المقبلة إذا لم تتخذ إجراءات مالية عاجلة، ولهذا يعمل البرلمان على عدة مسارات متوازية، تشمل مراجعة أولويات الإنفاق العام، ومراقبة إدارة الإيرادات النفطية، ودراسة خيارات تمويل طارئة لضمان استقرار الرواتب، فضلاً عن إلزام الحكومة بتقديم خطة مالية واضحة قصيرة ومتوسطة الأمد لمواجهة أي صدمات اقتصادية محتملة".


ويقول قصي صفوان أستاذ الاقتصاد والمال في جامعة بغداد ، لـ"النهار"، ان "تأخر الرواتب عن موعدها المحدد بهذا الشكل الواسع يبعث برسائل سلبية للأسواق والمواطنين على حد سواء، خاصة ان الرواتب الحكومية تشكل المحرك الأساسي للطلب الداخلي في الاقتصاد العراقي، وأن أي اضطراب في صرفها سينعكس مباشرة على حركة الأسواق والتجارة ومستويات الاستهلاك".


وبين صفوان أن "الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية التي تمثل أكثر من 90% من موارد الموازنة العامة، ما يجعل الدولة شديدة التأثر بأي اضطراب في الصادرات أو التدفقات المالية الخارجية، وتوقف أو تراجع صادرات النفط خلال الظروف الإقليمية الحالية أدى إلى انخفاض السيولة بالدولار، وهو ما ينعكس بدوره على القدرة التمويلية للحكومة".


وحذر من أن "استمرار الأزمة لأسابيع إضافية قد يقود إلى سلسلة آثار اقتصادية متلاحقة، تبدأ بانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، مروراً بركود الأسواق المحلية، وصولاً إلى ضغوط على سعر صرف الدينار وارتفاع محتمل في معدلات التضخم، فالاقتصاد العراقي لا يمتلك حالياً هامش أمان واسعاً لامتصاص صدمة مالية طويلة".


وأضاف صفوان أن "أخطر ما في الوضع الحالي هو البعد النفسي والاقتصادي معاً، إذ إن فقدان الثقة بانتظام دفع الرواتب قد يدفع المواطنين إلى سحب مدخراتهم أو تقليل الإنفاق بشكل حاد، وهو ما يسرع دخول الاقتصاد في حالة تباطؤ قد تصعب معالجتها سريعاً، ولهذا من الضروري اتخاذ حزمة إجراءات طارئة، تشمل إدارة أكثر صرامة للإنفاق الحكومي، وتأمين مصادر تمويل قصيرة الأجل، وضمان أولوية الرواتب والنفقات الأساسية دون تأخير".


وشدد أستاذ الاقتصاد والمال في جامعة ان "تجاهل المؤشرات الحالية أو التقليل من خطورتها قد يؤدي إلى أزمة مالية أعمق خلال الشهرين المقبلين، فالتعامل المبكر مع المشكلة أقل كلفة بكثير من معالجتها بعد تحولها إلى أزمة اقتصادية شاملة تمس الاستقرار الاجتماعي والمالي للدولة".


بالمقابل قال محمد صالح المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر، اليوم الثلاثاء، في تصريح صحفي ان "استدامة المصروفات الشهرية للرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية ومخصصات الرعاية الاجتماعية، في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة والتقلبات العالمية جراء المخاطر الجيوسياسية، تعد أولوية قصوى، وتعتمد على ثلاثة مصادر رئيسة للإيرادات تضمن حماية الاستقرار المعيشي والاجتماعي للمواطنين بشكل شهري منتظم".


وبين صالح أن "أول المصادر هو تعظيم الإيرادات غير النفطية، اذ يتم ضمان سيولة تحصيل هذه الإيرادات عبر تكثيف وسائل الدفع الإلكترونية المعتمدة، بما يعزز الموارد المالية الذاتية للدولة ويحد من الاعتماد الكلي على الإيرادات النفطية، وثاني مصدر هو توسيع قاعدة تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية، وتشمل هذه السياسة استخدام القنوات التقليدية للتصدير كلما كان ذلك ممكناً، بما في ذلك النقل البري والبحري عبر دول الجوار، وفق أسعار النفط العالمية الحالية، والتي شهدت ارتفاعاً يقارب 70% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع التوترات في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وتوسع التصدير هذا يسهم في ظل أسعار مرتفعة للنفط الخام بتعزيز الإيرادات اللازمة لتغطية الإنفاق الاجتماعي وضمان استقرار السوق المحلي".


وأضاف ان "المصدر الثالث للإيرادات هو إتباع نمط من سياسات التيسير الكمي المحدد، وذلك بالتنسيق النقدي والمالي، حيث يتم تكثيف التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وهو التنسيق المدعوم باحتياطيات نقدية أجنبية كفوءة، لضمان استقرار الاقتصاد الوطني واستدامة الإنفاق الاجتماعي العام، بما يشمل دفع الرواتب والمعاشات ومخصصات الرعاية الاجتماعية دون أي توقف".

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!