RSS
2026-03-09 21:21:05

ابحث في الموقع

احتياجات لا تُرى.. معاناة اللبنانيات في رحلة النزوح من الجنوب

احتياجات لا تُرى.. معاناة اللبنانيات في رحلة النزوح من الجنوب
في ظلّ العدوان الإسرائيلي التي يشهدها لبنان، اضطرت العديد من العائلات إلى ترك منازلها في قرى وبلدات الجنوب بحثاً عن شيء من الأمان، لكنها فوجئت بانعدام الخدمات وشح المساعدات وعدم توفر أماكن للإيواء.

وفي أولى ليالي النزوح، باتت العديد من العائلات الليل في الطرقات، لا بيت يؤوي أفرادها ولا سقف فوق رؤوسهم، ولا حتى فراش أو أغطية، بالتزامن مع شح الماء والطعام، وتمثلت أبرز أزمات النساء والفتيات في انعدام الخصوصية، وعدم توفر حمامات يستطعن الالتجاء إليها عند الحاجة.

نزحت المسنة اللبنانية فاطمة "أم حسين" (70 سنة)، مع عائلتها بالسيارة من منطقة بنت جبيل باتجاه بلدة الغازية القريبة من مدينة صيدا بعد الإنذارات التي وجهها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتؤكد أنها وجدت نفسها فجأة من دون مأوى أو جهة ترشدها. تضيف: "سألنا عن مدارس الإيواء، لكنهم أبلغونا بأن المدارس ممتلئة. الوضع صعب للغاية، خصوصاً على النساء، اللاتي يعانين من تبعات القصف والخوف الذي عشنه قبل المغادرة. لا نملك ملابس كافية، ما يزيد الصعوبات التي نعيشها حالياً على قارعة الطريق".

وتضيف: "تغيب الخصوصية خلال النزوح، وأصعب أمر أواجهه هو عندما أريد دخول الحمام. بتنا الليلة الأولى في العراء، ولم يكن يتوفر حمام سوى حمام المسجد القريب، وقد دخلناه خلسة، وأنا مريضة وبحاجة إلى أدوية، بينما لا يتوفر الطعام، ولا حتى الماء كي أتناول الدواء. أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس سريعاً".

بدورها، تقول المراهقة رغد فاضل (14 سنة)، وهي طالبة في الصف السادس الأساسي: "نزحت مع عائلتي من منطقة القليلة في صور، ووصلنا إلى مدينة صيدا بعدما قطعنا معظم الطريق مشياً على الأقدام. لم أتمكن من إحضار أي من مقتنياتي، وتركت ملابسي وأغراضي الخاصة، ولا أعلم إن كانت توجد أماكن إيواء، وأشعر بضيق شديد لأني لا أستطيع توفير الاحتياجات الأساسية بسبب وجودنا في العراء بين عدد كبير من النازحين، فضلاً عن سوء التنظيم. الوضع قاسٍ جداً، إذ نضطر إلى النوم في العراء لأننا لم نجد مكاناً يؤوينا حتى الآن".

نزحت الشابة إيمان الفرحاوي (27 سنة)، مع أطفالها الأربعة من تبنين، جنوبي لبنان، وتتحدث بصوت متعب تخالطه نبرة خوف على صغارها، وتقول: "اضطررت إلى النزوح مع عائلتي بعدما تصاعدت حدة التوتر في منطقتنا، وأصبحت القرى الجنوبية تعيش تحت وقع الخوف الدائم. قرار المغادرة لم يكن سهلاً، لكن حماية الأطفال كانت الأولوية، ولم نأخذ معنا شيئاً تقريباً، كان أهم شيء أن ننجو بأولادنا".

وتؤكد الفرحاوي أنها المرة الأولى التي تختبر فيها النزوح بهذه الصورة القاسية، رغم أنها مرّت بتجربة لجوء سابقة إلى سورية، لكن في ظروف مختلفة.

وتضيف: "ما نعيشه اليوم أشد وطأة، لأننا خرجنا على عجل، ومن دون خطة واضحة، أو جهة تستقبلنا. لم نتلق أي إرشادات حول أماكن مراكز الإيواء، ولم يدلّنا أحد على مدرسة أو مركز يمكن أن يكون فيه مكان يؤوينا. نسأل هنا وهناك، وفي كل مرة يكون الجواب أن المدارس ممتلئة".

وتوضح أن أكثر ما يرهقها هو الشعور بالعجز أمام احتياجات أطفالها الأساسية، إضافة إلى التعب الجسدي الناتج عن رحلة النزوح. وتضيف: "لم أتمكن منذ الخروج من المنزل من دخول الحمام براحة في ظل غياب المرافق والخدمات، وهذا يشكّل معاناة مضاعفة للنساء تحديداً. احتياجات المرأة مختلفة، فهي تحتاج إلى الخصوصية، وهذا غير متوفر في النزوح، حتى أنني اضطررت لأخذ ابنتي إلى أحد البساتين كي تقضي حاجتها تحت الشجر".

وتتابع الفرحاوي: "نشعر بالقلق إزاء الساعات المقبلة، إذ قد نضطر إلى النوم في المكان الذي نقف فيه إذا لم نجد مأوى. في الوقت نفسه، تشهد الطرقات ازدحاماً كبيراً باتجاه بيروت، ووصلت أجرة النقل إلى 100 دولار للشخص الواحد، وهو مبلغ يفوق قدرتنا، ولا أدري كيف يمكن لعائلة معها أطفال أن تدفع هذا المبلغ؟ كما لم نتمكن حتى الآن من مراجعة أي بلدية أو جهة رسمية للحصول على مساعدة بسبب الفوضى والضغط الكبير".

وتحكي إحدى الأمهات التي تحفظت على ذكر اسمها أنها اضطرت إلى أخذ ابنتها إلى أحد المساجد كي تتمكن من استخدام الحمام، في مشهد تختصره بقولها: "لا نطلب الكثير، نريد مكاناً آمناً فقط نحتمي فيه، وخدمات تحفظ كرامتنا. معاناة النساء النازحات مضاعفة، ومئات الأمهات وجدن أنفسهن في مواجهة قرار نزوح مفاجئ، وسط غياب التنظيم، وعدم توفر الدعم، وتحول أبسط الحقوق والخدمات إلى أحلام صعبة التحقق، بينما بعضها لا يمكن تأجيله".

وأعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد، في وقت سابق من اليوم الاثنين، ارتفاع عدد النازحين من جنوب لبنان إلى 700 ألف نازح.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أنذر قبل أيام جميع سكان جنوبي لبنان بالإخلاء فورا والتوجه إلى شمال نهر الليطاني، في ظل تصعيد هجماته على لبنان منذ الاثنين من الأسبوع الماضي، تزامنا مع الحرب التي يشنها بالتعاون مع الولايات المتحدة على إيران منذ السبت الماضي.


كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!