RSS
2026-02-09 14:46:17

ابحث في الموقع

إضراب التجار.. الحكومة أمام محك الشفافية والعدالة الاقتصادية

إضراب التجار.. الحكومة أمام محك الشفافية والعدالة الاقتصادية
بقلم: عماد آل جلال

الإضراب المفتوح الذي أعلنه التجار اليوم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات مالية مرتجلة اتسمت بانعدام الرؤية الاقتصادية وتجاهل واقع السوق. فالتعرفة الكمركية التي أقرتها الحكومة ليست مجرد إجراء إداري، بل قرار يضرب في عمق الدورة الاقتصادية، ويكشف خللاً مزمناً في طريقة التفكير الرسمي تجاه القطاع التجاري الذي يُعد أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.

لقد أخفقت الحكومة في قراءة المشهد بدقة. فهي تتحدث عن "إصلاحات مالية" بينما السوق يعيش حالة احتقان خانقة، والسلع مكدسة في الموانئ، والأسعار على وشك الانفلات. إن التعرفة الجديدة التي وُصفت بالمجحفة لم تُبنَ على دراسة حقيقية لقدرات التاجر ولا على مراعاة للمستهلك، بل جاءت كعبء إضافي فوق كاهل اقتصاد متعب، ومجتمع يئن تحت وطأة الغلاء والبطالة.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد احتجاج مهني، بل صرخة في وجه البيروقراطية الاقتصادية التي تحوّل الإصلاح إلى جباية، والتنظيم إلى قيد، والمواطن إلى ضحية دائمة. الحكومة مطالَبة، لا بالتبرير، بل بالمراجعة والمحاسبة. فالإصلاح لا يعني زيادة الرسوم، بل يعني بناء منظومة عادلة تُغلق منافذ الفساد أولاً قبل أن تفتح دفاتر التحصيل.

إن تجاهل أصوات التجار لن يحل الأزمة بل سيعمقها. فكل يوم من الإضراب يعني خسائر مضاعفة في الإيرادات، وتعطلاً في سلاسل الإمداد، وارتفاعاً في الأسعار سيشعر به المواطن البسيط قبل غيره. وإذا لم تُبادر الحكومة إلى فتح حوار عاجل وشفاف مع ممثلي القطاع التجاري، فإن الأزمة مرشحة للتحول إلى حالة عصيان اقتصادي غير معلن، تكون تداعياتها أخطر من أي احتجاج سياسي.

إن الحكومة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تُدير الأزمة بعقل الدولة الراعية التي تسمع وتصحّح، أو تواصل نهج القرارات الفوقية التي لا ترى في السوق سوى مصدر إيراد. وفي كلا الحالتين، سيحكم الشارع عليها من خلال نتائج أفعالها لا وعودها. فالتاريخ لا يرحم الحكومات التي جعلت من المواطن والتاجر وقوداً لسياسات مرتجلة.

إن الحكومة، وهي تتابع ارتدادات الإضراب، مطالَبة اليوم بأن تواجه نفسها قبل أن تواجه الشارع. فالمشكلة ليست في التجار الذين يطالبون بإنصافهم، بل في عقل إداري ما زال يظن أن الأرقام وحدها تُبني اقتصاداً، وأن الضغط المالي يمكن أن يُثمر إصلاحاً. لقد آن الأوان لقرارات جريئة تضع العدالة قبل الجباية، والشفافية قبل الشعارات، لأن الأسواق إذا صمتت اليوم فلن تصمت طويلاً غداً. فالأوطان لا تُدار بالعُرف الكمركي ولا بالمزاج الوزاري، بل تُدار بالثقة، وبحكمة تعرف أن الاقتصاد هو ميزان الكرامة الوطنية، لا دفتر الجمارك.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!