منذ عام 2003، دخلت عائدات النفط العراقي في دائرة إدارة البنك الفدرالي الأميركي، حيث كانت الأمم المتحدة قد أمنت حماية أممية بموجب قرار مجلس الأمن 1483، ثم القرار 1956 الذي أنهى الحماية الأممية عام 2011، فيما بقي القرار التنفيذي الأميركي رقم 13303 سارياً حتى اليوم. هذه المنظومة القانونية جعلت العراق في وضع استثنائي، دولة نفطية كبرى، لكنها لا تملك سيادة كاملة على مواردها المالية.
الإيجابيات المحتملة
• حماية قانونية من الدعاوى الدولية:
وجود الأموال تحت مظلة الفدرالي الأميركي وفر للعراق حصانة نسبية ضد مطالبات الدائنين أو دعاوى التعويضات، خصوصاً تلك المرتبطة بالحروب السابقة.
• ضمان الشفافية في التحويلات:
إدارة العائدات عبر مؤسسة مالية عالمية ساعدت على ضبط عمليات التحويل ومنعت بعض أشكال الفساد الداخلي في السنوات الأولى بعد 2003.
• استقرار مالي نسبي:
ربط الأموال بالنظام المالي الأميركي منح العراق إمكانية الوصول إلى الدولار بشكل مباشر، وهو أمر حيوي لاقتصاد يعتمد على الاستيراد بنسبة تفوق 85%.
السلبيات الجوهرية
• فقدان السيادة المالية:
العراق لا يستطيع التصرف بحرية بعائداته النفطية، بل يخضع لرقابة وإشراف خارجي، ما يعني أن القرار الاقتصادي العراقي مرتهن إلى الخارج.
• تعطيل السياسات النقدية المستقلة:
البنك المركزي العراقي يجد نفسه مقيداً في إدارة الاحتياطيات أو رسم سياسات نقدية مرنة، لأن جزءاً كبيراً من موارده تحت إدارة الفدرالي.
• انعكاسات على التنمية:
رغم أن العراق يحقق إيرادات نفطية تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً في بعض الأعوام، إلا أن ضعف السيطرة على هذه الأموال جعلها عاجزة عن التحول إلى مشاريع تنموية كبرى، فيما بقيت البلاد تعاني من عجز في البنى التحتية والخدمات الأساسية.
هل الإدارة العراقية قادرة على إدارة العائدات؟
حتى لو تحررت الأموال العراقية من إدارة البنك الفدرالي الأميركي، فإن السؤال الجوهري يبقى، هل تمتلك السلطة في العراق القدرة على إدارة هذه العائدات بشكل شفاف يخرج البلاد من أزماته الاقتصادية؟
الواقع يشير إلى العكس
• المحاصصة السياسية تجعل القرار المالي خاضعاً لتوازنات حزبية لا لمصلحة وطنية.
• ضعف الرقابة والمحاسبة يحول دون تحويل تقارير ديوان الرقابة المالية إلى إجراءات فعلية.
• الفساد البنيوي يلتهم جزءاً كبيراً من الموارد، ويُبقي العراق في مراتب متأخرة عالمياً في مؤشرات الشفافية.
• غياب التخطيط الاستراتيجي يجعل العائدات تُستهلك في تغطية النفقات التشغيلية (رواتب ودعم) بدل أن تُستثمر في مشاريع إنتاجية وتنموية.
بالتالي، فإن تحرير الأموال من الهيمنة الخارجية لن يكون ذا جدوى إذا بقيت الإدارة الداخلية أسيرة الفساد والمحاصصة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، عبر بناء منظومة حوكمة مالية مستقلة، إشراك الكفاءات الاقتصادية، وتوجيه العائدات نحو مشاريع إنتاجية تعيد الثقة للشعب وتفتح أفق التنمية.
قراءة بالأرقام:
• بلغت الإيرادات النفطية لعام 2022 نحو 115 مليار دولار، وهي الأعلى منذ 2012.
• هذه الأموال تُحوّل أولاً إلى حسابات يديرها الفدرالي الأميركي، قبل أن تُعاد برمجتها عبر وزارة المالية والبنك المركزي العراقي.
• في المقابل، يعاني العراق من عجز مزمن في الموازنة بلغ في بعض السنوات أكثر من 20 مليار دولار، إضافة إلى ديون خارجية تتجاوز 70 مليار دولار.
• المفارقة أن بلد بهذه الإيرادات الضخمة لا يملك حرية التصرف بها، ما يضعف قدرته على الاستثمار في كثير من الملفات المهمة لبناء إقتصاد مستدام، ويُبقيه رهينة للقرارات الخارجية والداخلية غير الرشيدة.
الخلاصة:
وجود العائدات النفطية العراقية تحت إدارة البنك الفدرالي الأميركي قدّم حماية قانونية مؤقتة في مرحلة ما بعد 2003، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى قيد سياسي واقتصادي يحدّ من سيادة العراق على موارده.
الإيجابيات التي يُساق ذكرها لا تقارن بحجم السلبيات، خصوصاً في ظل استمرار الفساد الداخلي وغياب الإصلاحات البنيوية. تحرير هذه الأموال من الهيمنة الأميركية ليس مجرد مطلب سيادي، بل ضرورة اقتصادية، لكنه لن يحقق أهدافه ما لم تتغير منظومة القرار داخل العراق نفسها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!