RSS
2026-02-13 14:04:09

ابحث في الموقع

عائدات النفط بين واشنطن وبغداد.. سيادة مؤجلة

عائدات النفط بين واشنطن وبغداد.. سيادة مؤجلة
بقلم: د. فرات الموسوي - رئيس مركز العراق للطاقة

منذ عام 2003، دخلت عائدات النفط العراقي في دائرة إدارة البنك الفدرالي الأميركي، حيث كانت الأمم المتحدة قد أمنت حماية أممية بموجب قرار مجلس الأمن 1483، ثم القرار 1956 الذي أنهى الحماية الأممية عام 2011، فيما بقي القرار التنفيذي الأميركي رقم 13303 سارياً حتى اليوم. هذه المنظومة القانونية جعلت العراق في وضع استثنائي، دولة نفطية كبرى، لكنها لا تملك سيادة كاملة على مواردها المالية.

الإيجابيات المحتملة

• حماية قانونية من الدعاوى الدولية:

وجود الأموال تحت مظلة الفدرالي الأميركي وفر للعراق حصانة نسبية ضد مطالبات الدائنين أو دعاوى التعويضات، خصوصاً تلك المرتبطة بالحروب السابقة.

• ضمان الشفافية في التحويلات:

إدارة العائدات عبر مؤسسة مالية عالمية ساعدت على ضبط عمليات التحويل ومنعت بعض أشكال الفساد الداخلي في السنوات الأولى بعد 2003.

• استقرار مالي نسبي:

ربط الأموال بالنظام المالي الأميركي منح العراق إمكانية الوصول إلى الدولار بشكل مباشر، وهو أمر حيوي لاقتصاد يعتمد على الاستيراد بنسبة تفوق 85%.

السلبيات الجوهرية

• فقدان السيادة المالية:

العراق لا يستطيع التصرف بحرية بعائداته النفطية، بل يخضع لرقابة وإشراف خارجي، ما يعني أن القرار الاقتصادي العراقي مرتهن إلى الخارج.

• تعطيل السياسات النقدية المستقلة:

البنك المركزي العراقي يجد نفسه مقيداً في إدارة الاحتياطيات أو رسم سياسات نقدية مرنة، لأن جزءاً كبيراً من موارده تحت إدارة الفدرالي.

• انعكاسات على التنمية:

رغم أن العراق يحقق إيرادات نفطية تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً في بعض الأعوام، إلا أن ضعف السيطرة على هذه الأموال جعلها عاجزة عن التحول إلى مشاريع تنموية كبرى، فيما بقيت البلاد تعاني من عجز في البنى التحتية والخدمات الأساسية.

هل الإدارة العراقية قادرة على إدارة العائدات؟

حتى لو تحررت الأموال العراقية من إدارة البنك الفدرالي الأميركي، فإن السؤال الجوهري يبقى، هل تمتلك السلطة في العراق القدرة على إدارة هذه العائدات بشكل شفاف يخرج البلاد من أزماته الاقتصادية؟

الواقع يشير إلى العكس

• المحاصصة السياسية تجعل القرار المالي خاضعاً لتوازنات حزبية لا لمصلحة وطنية.

• ضعف الرقابة والمحاسبة يحول دون تحويل تقارير ديوان الرقابة المالية إلى إجراءات فعلية.

• الفساد البنيوي يلتهم جزءاً كبيراً من الموارد، ويُبقي العراق في مراتب متأخرة عالمياً في مؤشرات الشفافية.

• غياب التخطيط الاستراتيجي يجعل العائدات تُستهلك في تغطية النفقات التشغيلية (رواتب ودعم) بدل أن تُستثمر في مشاريع إنتاجية وتنموية.

بالتالي، فإن تحرير الأموال من الهيمنة الخارجية لن يكون ذا جدوى إذا بقيت الإدارة الداخلية أسيرة الفساد والمحاصصة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، عبر بناء منظومة حوكمة مالية مستقلة، إشراك الكفاءات الاقتصادية، وتوجيه العائدات نحو مشاريع إنتاجية تعيد الثقة للشعب وتفتح أفق التنمية.

قراءة بالأرقام:

• بلغت الإيرادات النفطية لعام 2022 نحو 115 مليار دولار، وهي الأعلى منذ 2012.

• هذه الأموال تُحوّل أولاً إلى حسابات يديرها الفدرالي الأميركي، قبل أن تُعاد برمجتها عبر وزارة المالية والبنك المركزي العراقي.

• في المقابل، يعاني العراق من عجز مزمن في الموازنة بلغ في بعض السنوات أكثر من 20 مليار دولار، إضافة إلى ديون خارجية تتجاوز 70 مليار دولار.

• المفارقة أن بلد بهذه الإيرادات الضخمة لا يملك حرية التصرف بها، ما يضعف قدرته على الاستثمار في كثير من الملفات المهمة لبناء إقتصاد مستدام، ويُبقيه رهينة للقرارات الخارجية والداخلية غير الرشيدة.

الخلاصة:

وجود العائدات النفطية العراقية تحت إدارة البنك الفدرالي الأميركي قدّم حماية قانونية مؤقتة في مرحلة ما بعد 2003، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى قيد سياسي واقتصادي يحدّ من سيادة العراق على موارده.

الإيجابيات التي يُساق ذكرها لا تقارن بحجم السلبيات، خصوصاً في ظل استمرار الفساد الداخلي وغياب الإصلاحات البنيوية. تحرير هذه الأموال من الهيمنة الأميركية ليس مجرد مطلب سيادي، بل ضرورة اقتصادية، لكنه لن يحقق أهدافه ما لم تتغير منظومة القرار داخل العراق نفسها.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات (2)
سعد حسن 2026-02-07

هذا الطرح يضع اليد على واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في التجربة العراقية بعد 2003: دولة نفطية كبرى، بإيرادات ضخمة، لكنها تفتقر إلى السيادة الكاملة على مالها، وتعجز في الوقت نفسه عن إدارة ما يصلها منه إدارة رشيدة. الإطار القانوني الذي وُضعت فيه العائدات النفطية العراقية لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل نتاج لحظة سياسية استثنائية أعقبت الاحتلال. صحيح أن الحماية الأممية ثم الأميركية وفّرت مظلة قانونية مؤقتة جنّبت العراق موجة دعاوى وتعويضات كانت كفيلة بتبديد الإيرادات في سنواته الأولى، لكن الإشكال أن هذا “المؤقت” تحوّل إلى وضع شبه دائم، ومعه تحوّل الاستثناء إلى قيد. الإيجابيات التي يُشار إليها — الحصانة، الشفافية الشكلية، الاستقرار النقدي — كانت ذات معنى في مرحلة الفوضى الأولى بعد 2003، لكنها اليوم فقدت مبررها السياسي والاقتصادي. لا يمكن لدولة أن تبني اقتصاداً سيادياً بينما قرار التصرف بأموالها يمر عبر نظام رقابي خارجي، مهما كان متقدماً أو “محايداً” ظاهرياً. الأخطر من فقدان السيادة المالية هو تعطيل الإرادة الاقتصادية. حين تُدار العائدات من خارج المنظومة الوطنية، يصبح التخطيط الاستراتيجي مجرّد تمرين نظري، وتتحول الموازنات إلى أدوات إطفاء أزمات آنية: رواتب، دعم، ترقيع خدمات، دون أي قدرة على الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي أو تنويع مصادر الدخل. لكن النص يُحسن — وبدقة — تفكيك الوهم الشائع: أن المشكلة تنتهي بمجرد “تحرير الأموال”. الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الخلل الداخلي أعمق من القيد الخارجي. المحاصصة السياسية جعلت المال العام غنيمة موزّعة لا أداة تنمية. الرقابة موجودة على الورق، لكنها معطلة في الفعل. والفساد لم يعد انحرافاً، بل أصبح جزءاً من طريقة عمل الدولة نفسها. في هذا السياق، حتى لو أُعيدت العائدات النفطية كاملة إلى السيطرة العراقية غداً، فإنها ستواجه المصير نفسه: الاستهلاك بدل الاستثمار، والإنفاق بدل البناء، والهدر بدل التنمية. الأرقام هنا ليست للتزيين، بل للإدانة الصامتة: إيرادات تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً عجز مزمن في الموازنات ديون خارجية ضخمة خدمات متردية وبنى تحتية متهالكة هذه ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة وحوكمة. الخلاصة التي يصل إليها النص دقيقة ومتوازنة: تحرير العائدات من الهيمنة الخارجية ضرورة سيادية واقتصادية، لكنه ليس وصفة خلاص بحد ذاته. الخلاص الحقيقي يبدأ ببناء منظومة قرار مالي وطنية، مستقلة، خاضعة للمساءلة، قائمة على الكفاءة لا الولاء، وعلى التخطيط لا ردّ الفعل. من دون ذلك، سيبقى النفط نقمة مُدارة من الخارج، أو غنيمة مُهدرة في الداخل — وفي الحالتين، الخاسر واحد: الدولة والمجتمع.

سعد حسن 2026-02-07

العراق لا يفتقر إلى الموارد ولا إلى الموقع، بل إلى القرار الاستراتيجي. الأرقام تؤكد أنه مؤهل ليكون لاعباً عالمياً في الطاقة، لا مجرد مصدر نفط خام، لكن التحول من الإمكان إلى الفعل ما زال معطلاً بسياسة مترددة وإدارة مجزأة. امتلاك احتياطي نفطي وغازي بهذا الحجم، مع قدرة إنتاجية قابلة للتوسع، يضع العراق في موقع فريد عالمياً. غير أن الاعتماد شبه المطلق على تصدير الخام، واستمرار حرق الغاز، وغياب استراتيجية وطنية طويلة الأمد للطاقة، يحول هذه الميزة إلى هشاشة. الفرصة الحقيقية تكمن في ثلاثة مسارات متلازمة: استثمار الغاز لوقف الهدر وتحقيق أمن الطاقة تنويع المزيج الطاقوي عبر الشمس والرياح وبناء إطار قانوني ومؤسسي واضح يجذب الاستثمار ويحمي السيادة العالم يعيد رسم خريطة الطاقة، والأسواق تبحث عن موردين مستقرين ومرنين. العراق قادر على أن يكون جزءاً محورياً من هذه الخريطة، لكن ذلك يتطلب جرأة سياسية، وحوكمة مؤسسية، ورؤية تتجاوز دورة الحكومات. الفرصة قائمة، لكنها ليست مفتوحة إلى الأبد. إما أن يتحول العراق إلى قطب طاقوي مؤثر، أو يبقى رهينة التردد رغم كل ما يملكه من قوة.