مع مطلع عام 2026، وجد العراق نفسه أمام أزمة مالية متفاقمة، عنوانها العجز في الموازنة وتراكم الديون الداخلية، في ظل اعتماد شبه كامل على إيرادات النفط غير المستقرة وأمام هذا الواقع، اختارت الحكومة تفعيل التعرفة الجمركية الجديدة ورفع الرسوم على السلع المستوردة بوصفها حلاً سريعاً لزيادة ايرادات الدولة.
من حيث المبدأ لا يمكن لأي دولة أن تستمر دون موارد غير نفطية، ولا يمكن اعتبار الجمارك أداة خاطئة بحد ذاتها لكن الإشكال الحقيقي يكمن في طريقة الاستخدام وتوقيت القرار فرفع الرسوم الجمركية في اقتصاد يعتمد على الاستيراد ومع رواتب ثابتة وقدرة شرائية ضعيفة يعني عملياً تحميل المواطن كلفة أزمة لم يكن طرفاً في صناعتها.
ما حدث في الأسواق كان رد فعل متوقع وهو ارتفاع في الأسعار، ضغط على الطبقة الوسطى، وتآكل في الدخل الحقيقي للموظف والمتقاعد، صحيح أن الحكومة أعلنت استثناء الغذاء والدواء من الرسوم العالية، إلا أن الواقع الاقتصادي يقول إن أي زيادة في كلفة الاستيراد تنعكس بشكل مباشر أو غير مباشر، على جميع السلع والخدمات عبر سلاسل النقل والتوزيع، ما يخلق موجة تضخمية يصعب احتواؤها.
المشكلة الجوهرية ليست نقص الأموال بل غياب الإصلاح الهيكلي فالدولة ما زالت تعاني من سوء إدارة الإنفاق، وهدر واسع في الموارد، وضعف السيطرة على المنافذ الحدودية، إضافة إلى اقتصاد ريعي لم يظهر بديل حقيقي عن النفط في ظل هذه الاختلالات، تصبح الجباية من الاستهلاك اليومي الطريق الأسهل سياسياً لكنها الأخطر اجتماعياً.
الحل الأكثر عدالة واستدامة لا يكمن في الضغط على السوق بل في إعادة توزيع الأعباء بشكل منصف يمكن للدولة أن تعفي بالكامل السلع الأساسية، وتحصر الرسوم المرتفعة في السلع الكمالية والترفية، مع فرض ضرائب تصاعدية على الثروات غير المنتجة والعقارات المتعددة، كما أن ضبط المنافذ الحدودية ومكافحة التهريب واسترداد الأموال المهدورة، قادرة وحدها على توفير إيرادات تفوق ما تحققه الرسوم الحالية دون إيذاء المواطنين.
وابرز التجارب هي تجربة ماليزيا خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 تقدم درساً مهماً فبدلاً من اتباع سياسات التقشف القاسية اختارت حماية القوة الشرائية ودعم الاقتصاد المحلي، وإصلاح مؤسسات الدولة من الداخل النتيجة كانت تعافياً أسرع واستقراراً اجتماعياً أفضل مقارنة بدول حمّلت شعوبها كلفة الأزمة.
في النهاية، الإصلاح الاقتصادي الحقيقي في العراق لا يبدأ من السوق ولا من جيب المواطن، بل من الدولة نفسها عبر حوكمة رشيدة، إنفاق منتج، وعدالة توزيعية تجعل من يملك أكثر يتحمل مسؤولية أكبر فالدول التي تعالج أزماتها عبر الناس تُنتج توتراً وعدم استقرار، أما التي تختار الإنصاف فتبني اقتصاداً قادراً على الصمود.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!