RSS
2026-11-05 07:51:03

ابحث في الموقع

البرلمان العراقي بين تعثر التشريع وضعف الرقابة.. 3 قوانين فقط في 10 أشهر

البرلمان العراقي بين تعثر التشريع وضعف الرقابة.. 3 قوانين فقط في 10 أشهر
خلال الأشهر العشرة الأخيرة، لم يُشرع البرلمان العراقي إلا ثلاثة قوانين من أصل عشرات القوانين المتوقفة لديه، رغم عشرات الجلسات التي عقدها، مع اختفاء واضح لملفات حقوقية وخدمية. ولا تزال قوانين أساسية تنتظر الحسم منذ سنوات بسبب الخلافات السياسية التي امتد تأثيرها إلى الدور الرقابي للمجلس وقدرته على مساءلة السلطة التنفيذية. وتشير بيانات المرصد النيابي العراقي إلى إقرار ثلاثة قوانين فقط مقابل 69 تشريعاً مطروحاً على المجلس، في وقت تتواصل فيه المفاوضات بين الكتل بشأن القوانين الخلافية التي لم تتمكن الدورات البرلمانية السابقة من حسمها.

ولا يمثل ضعف التشريع في الدورة الحالية حالة منفصلة عن السنوات الماضية، فقد أقرّ البرلمان 216 قانوناً خلال دورة 2010 إلى 2014، وانخفض العدد إلى 165 قانوناً في الدورة التالية، ثم 91 قانوناً خلال دورة 2018 إلى 2022، وصولاً إلى 69 قانوناً في الدورة الخامسة المنتهية عام 2025 بحسب بيانات المرصد النيابي العراقي.

وعزا النائب مختار الموسوي هذا التراجع إلى الخلافات بين القوى السياسية وتأخر تشكيل الحكومة، موضحاً أن مجلس النواب يفترض أن يعقد أربع جلسات أسبوعياً، لكنه يمضي أحياناً عدة أسابيع دون عقد أي جلسة بسبب عدم التوصل إلى تفاهمات بين الكتل السياسية بشأن الملفات المطروحة.

وقال الموسوي إن كثيراً من القوانين لا يزال ينتظر التصويت، وبعضها مؤجل منذ دورات نيابية سابقة، وفي مقدمتها قانون الحشد الشعبي وقانون النفط والغاز، مشيراً إلى أن تمرير هذه التشريعات لن يكون سهلاً، في ظل استمرار الخلافات بين القوى المشاركة في السلطة، التي تنعكس بدورها على انتظام جلسات البرلمان.

ولا يرى النائب السابق والقيادي الكردي ماجد شنكالي أن ضعف التشريع يرتبط بعدد الجلسات وحده. وقال، إن تأخر تشكيل الحكومة انعكس على توزيع اللجان النيابية التي تخضع بدورها للتفاهمات بين الكتل السياسية، ما أدى إلى إبطاء عملها وتأخير دراسة مشروعات القوانين ورفعها للتصويت.

وأشار شنكالي إلى أن التشريعات التي تمكن البرلمان من إقرارها لم تكن من القوانين الخلافية، فيما لا تزال القوانين الأساسية معلقة بسبب عدم التوصل إلى اتفاقات سياسية حولها، وفي مقدمتها قوانين المحكمة الاتحادية والنفط والغاز ومجلس الاتحاد.

لكن الخلافات السياسية لا تفسر وحدها محدودية الأداء البرلماني، بحسب رئيس مركز التفكير السياسي وأستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد إحسان الشمري، الذي يرى أن المشكلة تكمن في طبيعة العلاقة بين القوى السياسية والسلطة التشريعية أكثر من ارتباطها بإجراءات البرلمان الداخلية. وقال الشمري، إن القوى السياسية لا تزال تتعامل مع البرلمان باعتباره مؤسسة ينبغي ألا تمارس ضغطاً حقيقياً على السلطة التنفيذية أو تمضي في تشريع القوانين المختلف عليها دون موافقتها، معتبراً أن عرف التوافقات السياسية والصفقات التي تعقد خارج المجلس ما زال يتحكم في القرارات التشريعية.

ولفت إلى أن تشكيل أطر سياسية مثل ائتلاف إدارة الدولة منح زعماء الكتل دوراً مؤثراً في تحديد القوانين التي يسمح بتمريرها، إذ تتحرك العملية التشريعية بصورة أسرع عندما تحصل المشروعات على موافقة هذه القوى، بينما تبقى القوانين الأخرى مؤجلة بانتظار التفاهمات، وهو ما قلص قدرة النواب واللجان على ممارسة صلاحياتهم بصورة مستقلة.

وتتزامن هذه الحصيلة التشريعية المحدودة مع استمرار الإنفاق على مجلس النواب الذي بلغ 544 مليار دينار عام 2022 و582 مليار دينار في 2023 ونحو 495 مليار دينار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2024 وفق أرقام منشورة استندت إلى حسابات وزارة المالية العراقية. وبلغ مجموع الإنفاق خلال الأشهر الأربعة والثلاثين نحو تريليون و621 مليار دينار، عقد خلالها البرلمان 132 جلسة، وأقرّ 58 قانوناً، أي ما يعادل نحو 12 ملياراً و300 مليون دينار لكل جلسة ونحو 28 مليار دينار لكل قانون، وهي مقارنة حسابية تشمل رواتب الموظفين والنفقات الإدارية والتشغيلية، ولا تمثل الكلفة المباشرة لعقد الجلسات أو تشريع القوانين.

أما كلفة النائب الواحد، فقدّرها الخبير الاقتصادي مصطفى حنتوش في تصريحات نشرت مطلع كانون الثاني 2026 بما يراوح بين 25 و30 مليون دينار شهرياً، مع احتساب نفقات الحماية التي يراوح عدد أفرادها بين 10 و14 عنصراً، موضحاً أن هذه الأعداد أُقرَّت منذ عام 2006 بسبب الظروف الأمنية آنذاك، ولم تُراجَع رغم التغيرات التي شهدها الوضع الأمني.

وبحسب هذا التقدير، تصل كلفة النائب الواحد إلى ما بين 300 و360 مليون دينار سنوياً وما بين مليار و200 مليون ومليار و440 مليون دينار خلال دورة برلمانية مدتها أربع سنوات، وهي أرقام تقديرية تشمل نفقات مرتبطة بعضوية البرلمان ولا تستند إلى كشوف رسمية تفصيلية لرواتب النواب ومخصصاتهم. ولا تقتصر مشكلات البرلمان على التشريع، إذ يمتد تأثير الخلافات السياسية إلى ممارسة دوره الرقابي على الحكومة، رغم الصلاحيات التي يمنحها الدستور للمجلس في استجواب الوزراء والمسؤولين ومساءلتهم عن أدائهم.

وكشف النائب مختار الموسوي أن إجراءات الاستجواب تخضع هي الأخرى للتفاهمات السياسية، مشيراً إلى وجود طلب مقدم من إحدى القوائم النيابية لاستجواب مسؤولين، لكنه لم يحصل على الموافقة السياسية اللازمة للمضي فيه، وهو ما يعكس تأثير مواقف الكتل في استخدام الأدوات الرقابية المتاحة للنواب. ورغم أن البرلمان مارس بعض صلاحياته الرقابية خلال الدورة الحالية، ومنها استجواب رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار غيابياً والتصويت على إعفائه في تموز الماضي، فإن الخلافات السياسية لا تزال تحدّ من انتظام الاستجوابات وتوسيع نطاق المساءلة لتشمل أداء الوزارات والمؤسسات الحكومية.

وربط إحسان الشمري تراجع الرقابة بطبيعة الحكومات الائتلافية التي تشارك فيها معظم الكتل الممثلة في البرلمان، إذ تجد هذه القوى نفسها جزءاً من السلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت نفسه، وهو ما يحد من إمكانية تشكيل معارضة برلمانية قادرة على مراقبة أداء الحكومة بصورة مستقلة.

وأضاف أن غياب المعارضة الحقيقية يجعل ممارسة الرقابة خاضعة لحسابات القوى السياسية المشاركة في السلطة، مشيراً إلى أن بعض الدورات السابقة شهدت استخدام أدوات رقابية للضغط على مسؤولين ضمن خلافات وصفقات سياسية بدلاً من توظيفها لمحاسبة المقصرين وكشف الخلل في المؤسسات الحكومية.

ويرى الشمري أن تحسين الأداء يحتاج إلى تفعيل اللجان البرلمانية ومنحها دوراً أكبر في متابعة الوزارات والمؤسسات التنفيذية مع دعم الهيئات الرقابية الحكومية وتطوير التشريعات التي تنظم عملها، مؤكداً أن جميع اللجان مطالبة بممارسة دورها الرقابي وليس الاكتفاء بمناقشة القوانين وإحالتها على التصويت.

ويعتقد ماجد شنكالي أن السنة التشريعية الثانية قد تشهد تحسناً في أداء البرلمان إذا تمكنت القوى السياسية من تجاوز خلافاتها، مشدداً على ضرورة تقييم أداء الوزراء واستضافتهم وتوجيه الأسئلة البرلمانية إليهم، وصولاً إلى الاستجواب عند الضرورة، غير أنه يربط هذا التحسن بمستوى الانسجام السياسي بين الكتل ومدى استعدادها لحسم الملفات العالقة.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه البرلمان وصول مشروع الموازنة العامة لعام 2027، لا تزال قوانين أساسية مؤجلة منذ دورات سابقة، فيما تعتمد قدرة المجلس على حسمها وممارسة الرقابة على الحكومة على التفاهمات التي تعقدها القوى السياسية خارج قاعة البرلمان. وحذر الشمري من أن استمرار تراجع الأداء التشريعي والرقابي قد يؤدي إلى تآكل الثقة بقدرة النظام البرلماني على أداء وظائفه ويعزز المطالبات بتغيير طبيعة النظام السياسي في العراق باتجاه النظام الرئاسي أو المختلط إذا بقي البرلمان عاجزاً عن ممارسة صلاحياته بصورة فاعلة.



المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!