من ركام الفتنة في بغداد إلى ملاذ النجف الآمن
تعود جذور هذه المسيرة إلى القرن الخامس الهجري، حين كانت العاصمة بغداد تعيش اضطرابات عارمة أدت إلى استهداف منازل العلماء وحرق المكتبات. فبعد وفاة أستاذ الشيعة السيد الشريف المرتضى، آلت زعامة الحوزة العلمية في بغداد إلى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المعروف بلقب «شيخ الطائفة» (المتوفى سنة 460 هجرية). ورغم جهوده الجبارة في حفظ الاستقرار العلمي، تعرضت داره ومكتبته الشهيرة للحرق والسلب خلال الفتنة الطائفية التي ضربت بغداد عام 448 هـ، مما جعل بقاء المؤسسة العلمية هناك شبه مستحيل.
من قلب هذه الأزمة، اتخذ الشيخ الطوسي قراراً استراتيجياً جريئاً بالهجرة نحو النجف الأشرف، جوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم يكن اختيار المكان عشوائياً، بل جاء بحثاً عن بيئة آمنة مستقرة حاضنة للعلم، وبعيدة عن صراعات السلطة وقلاقل العواصم السياسية. وبقدومه، وُضع الحجر الأساس الفعلي لتحويل المدينة من مجرد ضريح ومزار ديني إلى عاصمة علمية كبرى وقبلة لطلبة العلوم الدينية من مختلف أصقاع العالم الإسلامي.
استراتيجية المدى الطويل : رؤية العتبة العلوية للألفية
وفي مواكبة ميدانية وحصرية لهذا الحدث، يوضح أستاذ وسام إسكندر، رئيس مركز نظم للتخطيط والتطوير في العتبة العلوية المقدسة، أبعاد هذا الاحتفال والخطط المرسومة له، مبيناً أن الفعالية التي انطلقت من صحن أمير المؤمنين (عليه السلام) تُمثل انطلاقة كبرى لبرنامج يستمر من ثلاث إلى خمس سنوات عبر مواسم متعددة. يقول إسكندرلوكالة نون الخبرية : "هذه المواسم ستتضمن مجموعة من الفعاليات والمشاريع وستقدم حقائب متكاملة تخصصية، كل موسم بحسب تخصصه، لتصدير الفكر الحوزوي وفكر أهل البيت (سلام الله عليهم)، وما قدمته الحوزة من منجز كبير خلال الـ1000 عام، منذ وصول الشيخ الطوسي إلى النجف وحتى يومنا الحاضر".
ويكشف رئيس مركز نظم للتخطيط والتطوير عن تفاصيل هذه المواسم قائلاً إنها تتضمن "مواسم مجتمعية للطفولة متخصصة بتصدير فكر الحوزة العلمية، وموسوماً آخراً يحمل عنوان «لماذا النجف؟» لاستعراض العوامل التي أدت إلى استمرارية الحوزة في بيئة النجف وتوفيرها لعوامل لا يمكن أن تتوفر في باقي المدن، مثل وجود قبر أمير المؤمنين وقربها من أهم الأماكن في العراق". مشيراً إلى وجود مواسم تخصصية أخرى للعائلة، والمرأة، وتكنولوجيا المعلومات، لتوضيح الرؤية المتكاملة لألفية الحوزة وتصدير مخرجاتها إلى المجتمع بمختلف فئاته.
وعن مدى عمق هذه الخطط، يؤكد إسكندر في لقائنا الحصري أن "فكرة الثلاث أو الخمس سنوات تعني أنها تحتاج إلى خطة استراتيجية، وعادةً الخطة الاستراتيجية تحتاج إلى خمس سنوات على الأقل لتبرز بنتائجها الصحيحة؛ فنحن نتجه إلى تكوين مؤسسات تخرج بعد ألفية الحوزة العلمية وتستمر للمستقبل، وهذه المؤسسات تحتاج إلى تأسيس حديث، رصين، معد بخطط متكاملة وتحديد موارد دقيقة"، مؤكداً إعداد خطة متكاملة من خلال لجنة الألفية في العتبة العلوية التي يُعد مركز نظم أحد أعضائها.
شهادات الأعلام : الحوزة الأم وروح الاستمرار
هذا العطاء المستمر عبر القرون استقطب قراءة معمقة من أساطين الحوزة العلمية وأساتذتها. يروي سماحة الشيخ حسن الجواهري، أستاذ الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تفاصيل تلك الرحلة التاريخية في حديثه لوكالة نون الخبرية قائلاً: "رحلة الشيخ الطوسي المباركة من بغداد إلى النجف الأشرف أصبحت رحلة تاريخية وموفقة بعد أن هجم عليه الأعداء في بغداد وأحرقوا كرسي الكلام الخاص به ومكتبته، وهو عنف طائفي مرفوض. فجاء إلى النجف واستقبلته المدينة، وكانت حوزتها ضعيفة فقواها الشيخ الطوسي بموسوعاته العلمية، وكانت البركة في ذلك". ويضيف الجواهري: "ومنذ ألف عام إلى هذا اليوم، تسير الحوزة على نهج الشريعة المقدسة لنشر مذهب أهل البيت، وهي على قوة وعظمة وعمق في الفقه والأصول والتفسير وحتى الفلسفة الإسلامية التي تقوي العقائد... فهي الحوزة الأم التي تقود الحوزات في كل أقطار العالم الإسلامي وتضم المرجعية المباركة التي ترعى المسلمين في كل أنحاء العالم".
من جانبه، يوجه سماحة الشيخ نزار آل سنبل أستاذ الحوزة العلمية في النجف الأشرف رسالة عميقة لطلبة العلوم الدينية والمؤسسات الدينية مستلهمة من روح المناسبة،لوكالة نون الخبرية قائلاً: "ونحن نعيش هذه الذكرى العطرة، ذكرى مرور ألف عام على تأسيس الحوزة العلمية في النجف الأشرف على يد الشيخ الطوسي، نستلهم من أولئك الأعلام العلم والمعرفة والأخلاق والهمة والجهد الذي قام به العلماء على حسب إمكانياتهم الضعيفة آنذاك مقارنة بالإمكانيات الموجودة اليوم". ويتابع آل سنبل موضحاً الواجب الملقى على عاتق جيل اليوم: "لقد أسسوا وأرسوا أعمدة المذهب وأركان الفرقة والحديث والرجال والأصول وجميع العلوم الإسلامية ولم يتركوا باباً إلا وطرقوه، فعلينا، نحن طلبة العلم، أن نستلهم من ضعفهم المادي قوتنا، ومن قوتهم العلمية قوة لنا، وينبغي لطالب العلم أن يسير على خطاهم في العلم، والتحصيل، والتدقيق، والخلق الرفيع، والأمور الاجتماعية، باعتبار أن طالب العلم يمثل الانطلاقة الحقيقية نحو المجتمع الكريم".
آفاق الامتداد والعلاقة مع الحوزات الأخرى
وفي قراءة أوسع لمشهد الحوزات العلمية امتداداً لفكر الشيخ الطوسي، يبرز الحوار الحصري الذي قمت بإجرائه مع السيد مجتبى الحسيني، ممثل السيد الخامنئي في العراق، ليضيء على طبيعة العلاقة بين حوزة النجف وحوزات إيران (قم ومشهد). يؤكد السيد الحسيني أن "الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) كان شيخ الطائفة وهو الذي استطاع أن يقوي التشيع في الكلام والفقه والأصول، والنجف على كل حال هي الحوزة الأم لجميع شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في العالم".
وحول الظروف السياسية التي رافقت الحوزات، يوضح الحسيني: "النجف مرت بمشاكل كثيرة، خصوصاً في زمن النظام الصدامي البعثي الذي منع الدراسة، وشرد كثيراً من العلماء والفضلاء، وقتل عدداً منهم. ولكن بعد انتصار الثورة الإسلامية، وباعتبار أن الحكومات التي قامت في إيران شيعية، وصار الإمام الخميني (رضوان الله عليه) على رأس الأمور، تسببت هذه الظروف في اتساع الحوزات العلمية في مشهد وأصفهان، فضلاً عن مركز العلم في قم الذي تضاعف فيه عدد المراجع والطلاب أضعافاً مضاعفة".
وعن طبيعة التقاطع أو التكامل بين النجف وقم، يشدد الحسيني بالقول: "أما الفرق بين قم والنجف فليس بهذا المعنى؛ فكثير من العلماء الذين يدرسون في قم اليوم درسوا في النجف الأشرف، وكثير ممن يدرسون في النجف درسوا في قم، وهناك تعاطي مستمر والمذهب واحد. صحيح أن في إيران وبسبب توفر حرية أكثر يتنوع دروس قم بشكل أكبر، ولكن من ناحية المسائل الأصلية ومبنى الحوزة العلمية فلا فرق بين النجف وقم ومشهد وأصفهان، وكلهم أخذوا بعضهم عن بعض... وما أرى هناك تفاوتاً إلا بسبب التوسع أو التضييق للظروف السياسية التي مرت على العراق".
وفي رؤيته لانتشار الحوزات عالمياً وأدوات الخطاب، يؤيد السيد الحسيني "وجود حوزات رسمية وأساسية كحوزة النجف العريقة وحوزة قم العريقة", فضلاً عن الحوزات المنتشرة في المحافظات والدول (مثل أفغانستان، الهند، وپاكستان). وعن الخطاب الديني ولغاته، يرى الحسيني أنه "بما أن القرآن وروايات أهل البيت باللغة العربية فلابد أن تُعلم اللغة العربية في جميع الحوزات، ولكن مع ذلك، بما أن مخاطبينا هم عامة الناس، فلابد لعلماء الدين المنتشرين في الأرض لدعوة الناس أن يتكلموا بلغاتهم؛ فينبغي نشر اللغة الإنجليزية واللغة الأردوية (حيث يتكلم بها ملياران إنسان في العالم وهي مهمة جداً) وسائر لغات العالم، حتى يتمكنوا من مخاطبة الناس ونقل علوم أهل البيت". ويختتم الحسيني توجيهه للمبلغين ورجال الدين بالتأكيد على ثلاثة أمور حاسمة: الأصالة (العمق العلمي على مباني صاحب الجواهر)، التقوى (الإخلاص الخالص لله)، والبصيرة (معرفة الزمان والظروف وحاجات الناس والتمييز الواضح بين العدو والصديق).
إن ما شهده الصحن العلوي المطهر من احتفال ضخم حضره العلماء وأساتذة الحوزة والجهات الحكومية والدولية، يتجاوز حدود المناسبة التقليدية ليكون استحضاراً حياً لمسيرة ألف عام من العطاء المتواصل. صرح ديني وعلمي عريق أسهم في بناء الفكر الإسلامي وترسيخ العقيدة وإثراء المعرفة، ليبقى امتداداً حضارياً ومعرفياً يحمل أمانة رسالة العلم والتربية والإرشاد جيلاً بعد جيل.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!