لَا تَتَعَجَّبْ مِمَّا يُبْدِيهِ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ شَجَاعَةٍ وَبُطُولَةٍ وَإِبَاءٍ عَلَى أَيْدِي الْأَشَاوِسِ الْحُوثِيِّينَ، مِنْ عَمَلِيَّةِ طَرْدٍ لِلْقَطِيعِ السُّعُودِيِّ وَمُرْتَزَقَتِهِ، وَإِذْلَالِهِمْ وَأَسْرِ أَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ مِنْهُمْ، هُمْ وَأَسْلِحَتُهُمْ، بِوَقْتٍ قِيَاسِيٍّ.
إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَدِيدٍ عَلَى شَعْبِ الْيَمَنِ السَّعِيدِ، الَّذِي لَوْ قَرَأْتَ تَارِيخَهُ لَوَقَفْتَ لَهُ إِجْلَالًا وَاحْتِرَامًا، وَتَغْبِطُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي نَالَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع). لِهَذَا قَالَ عَنْهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع)، وَهُوَ يُخَاطِبُ أَكْبَرَ الْقَبَائِلِ، وَهِيَ هَمْدَانُ: "أَنْتُمْ دِرْعِي وَرُمْحِي".
وَبِالْعَكْسِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، الَّتِي هِيَ مَهْبِطُ الْوَحْيِ، لَمْ يَرَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَأَهْلُ الْبَيْتِ إِلَّا السُّوءَ وَالْبَغْضَاءَ، حَتَّى قَالَ الرَّسُولُ (ص): "مَا أُوذِيَ نَبِيٌّ بِمِثْلِ مَا أُوذِيتُ".
مِنْ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ
إِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ الَّذِينَ كَانُوا يُسَمُّونَ الرَّسُولَ (ص) فِي الْجَاهِلِيَّةِ: "الصَّادِقَ الْأَمِينَ"، بِمُجَرَّدِ أَنْ صَدَحَ بِدَعْوَتِهِ سَمَّوْهُ بِالْكَذَّابِ وَالْمَجْنُونِ. ٢٣ سَنَةً وَهُمْ لَمْ يَكُفُّوا عَنْ حَرْبِهِ، بِمَعِيَّةِ أَخْوَالِهِمُ الْيَهُودِ.
لَكِنَّ الْيَمَنَ السَّعِيدَ، لِأَنَّهُمْ شُجْعَانٌ وَأُصَلَاءُ، لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ عِنْدَمَا حَاوَلُوا إِقْنَاعَهُمْ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ هَؤُلَاءِ أَكْفَاءً لَهُمْ. شُهُورًا وَشُهُورًا وَلَمْ يُسْلِمُوا، لَكِنَّهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا أَعْلَنُوا إِسْلَامَهُمْ عَلَى يَدِ مَنْ رَأَوْا فِيهِ كُلَّ مَعَانِي الشَّرَفِ وَالرُّجُولَةِ؛ إِنَّهُ عَلِيٌّ (ع)، الْكَارِزْمَا الرُّوحِيَّةُ الَّتِي تَسْتَسلِمُ لَهَا كُلُّ الْقُلُوبِ النَّقِيَّةِ.
نَعَمْ، فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى مِنْ رَجَبٍ لِلسَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ، دَخَلَتْ هَمْدَانُ التَّارِيخَ مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِهِ، وَابْتَدَأَتْ مَسِيرَةُ الْوَلَاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَوَصِيِّهِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
إِنَّهَا جُمُعَةُ رَجَبٍ الَّتِي صَنَعَتِ الْيَمَنَ الْعَظِيمَ، الَّتِي يَحْتَفِلُ فِيهَا أَهْلُ الْيَمَنِ الْآنَ احْتِفَالًا عَظِيمًا حُبًّا وَوَلَاءً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَإِلَى الْآنَ تُحَارَبُ مِنْ قِبَلِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْوَهَّابِيَّةِ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ. إِنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ التَّارِيخِيَّةَ حَتَّى يَعْلَمَ الْقَارِئُ الْكَرِيمُ أَنَّ هَذِهِ الْحَرْبَ الَّتِي تُشَنُّ فِي الْمِنْطَقَةِ هِيَ امْتِدَادٌ لِصِرَاعِ الْحَقِّ الْمُتَمَثِّلِ بِعَلِيٍّ، وَالْبَاطِلِ الْمُتَمَثِّلِ بِجَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٍ الْأُولَى وَجَاهِلِيَّةِ الْقَرْنِ الْـ٢١.
لَوْ رَاجَعْتَ تَارِيخَ الْحِجَازِ، فَلَا تَجِدُهُ فِيهِ إِلَّا الْهَزِيمَةَ وَالتَّآمُرَ، وَهُمْ مَنْ أَوْصَلَ الْإِسْلَامَ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنِ.
مُنْذُ هُرُوبِهِمْ فِي الْمَعَارِكِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ، وَخِيَانَتِهِمُ الَّتِي لَا تَنْتَهِي أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ نِتَاجُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَحَبِيبِ الدَّارِمِيِّ، الْيَهُودِيَّيْنِ.
بَيْنَمَا الْعَكْسُ مِنْ شَعْبِ الْيَمَنِ الْكَرِيمِ.
فَأَوَّلُ شَهِيدَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ بَشَّرَ بِهِمَا الرَّسُولُ هُمَا يَاسِرُ بْنُ عَامِرٍ الْمَذْحِجِيُّ وَزَوْجُهُ سُمَيَّةُ، وَقَالَ عَنْهُمَا: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ".
وَبَشَّرَ كَذَلِكَ بِابْنِهِمَا الطَّاهِرِ عَمَّارٍ: "يَا عَمَّارُ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ"، وَهُوَ مَا جَرَى فِي صِفِّينَ، حَيْثُ كَانَ عَمَّارٌ الْجُنْدِيَّ الْمُخْلِصَ لِلْإِمَامِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، حَيْثُ قَتَلَهُ جَيْشُ مُعَاوِيَةَ الظَّالِمِ الْمُضِلِّ.
إِنَّ أَوَّلَ قَبِيلَتَيْنِ بَايَعَتَا الرَّسُولَ هُمَا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فِي الْمَدِينَةِ، وَجُذُورُهُمَا مِنَ الْيَمَنِ.
لَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنَ الطَّلَائِعِ الْأُولَى لِلْمُجَاهِدِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)، ثُمَّ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَعَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (عليهم السلام) فِي كَرْبَلَاءَ.
إِنَّ دِمَاءَ شِيعَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ اخْتَلَطَتْ مُنْذُ عَهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا زَالَتْ إِلَى الْآنِ تَرْفِدُ طَرِيقَ الْحَقِّ.
لَقَدْ بَقِيَ الْإِسْلَامُ خَالِدًا بِهَذَا الِاسْمِ، يَرْفَعُ رَايَةَ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ فِي الْمَصَادِيقِ.
فَأَبُو سُفْيَانَ بِلِحْيَتِهِ الصَّفْرَاءِ مَا زَالَ يُؤَجِّجُ فِينَا الْعَصَبِيَّاتِ الْقَبَلِيَّةَ، وَهَذَا الْمَرَضُ مُتَجَذِّرٌ، وَبَدَلًا مِنْ غُدَّةٍ سَرَطَانِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ إِسْرَائِيلُ، أَصْبَحَتْ عِدَّةُ سَرَطَانَاتٍ مُمَثَّلَةً بِحُكَّامِ الرِّدَّةِ فِي الْخَلِيجِ، يَقُودُهَم آلُ سَعُودٍ (مُورْدُخَاي).
ان حكام الردة يَتَلَقَّوْنَ الْأَوَامِرَ مِنْ أَسْيَادِهِمْ لِيُعِدُّوا خُطَّةَ: "مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ وَاحِدٌ، حَتَّى يَضِيعَ دَمُ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الْقَبَائِلِ".
لَكِنَّهُمْ تَلَقَّوُا الصَّفْعَةَ تِلْوَ الْأُخْرَى مِنْ جُنْدِ عَلِيٍّ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، فَهَا هُمْ رِجَالُ أَنْصَارِ اللَّهِ يُذِيقُونَهُمُ الْأَمَرَّيْنِ، الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْقَرَارِ فِي الْأَرْضِ وَالْبَحْرِ.
إِنَّ الْحَرْبَ عَلَى الْيَمَنِ هِيَ اسْتِكْمَالٌ لِلْمُؤَامَرَةِ فِي الْمِنْطَقَةِ الَّتِي تَقُودُهَا أَمْرِيكَا وَإِسْرَائِيلُ، فَبَعْدَ هَزَائِمِهَا أَمَامَ إِيرَانَ الْعَنِيدَةِ الصَّابِرَةِ، يُحَاوِلُ الْقَطِيعُ فِي الْخَلِيجِ فَتْحَ جَبْهَةِ الْيَمَنِ لِإِضْعَافِ مِحْوَرِ الْمُقَاوَمَةِ، وَكَمَا يَفْعَلُ فِي لُبْنَانَ أَوِ الْعِرَاقِ.
لَكِنْ هَيْهَاتَ، فَمَا زَالَتْ "هَيْهَاتَ مِنَ الذِّلَّةِ" حَاضِرَةً فِي وِجْدَانِ مِحْوَرِ الْخَيْرِ، وَلَا تَعْرِفُ الْهَزِيمَةَ وَلَا الِاسْتِسْلَامَ.
إِنَّ حُكَّامَ الرِّدَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ آلُ مُورْدُخَاي، لَمْ يَأْخُذُوا الْعِبْرَةَ مِنْ دُرُوسِ الْمَاضِي، وَتَارِيخُهُمْ الَّذِي يُهَرْوِلُ إِلَى الْخَلْفِ دَائِمًا، كَمَا يَفْعَلُونَ الْآنَ أَمَامَ أَنْصَارِ اللَّهِ فِي الْيَمَنِ.
إِنَّ آلَ مُورْدُخَاي لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ شَيْءٌ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ، إِلَّا مَا وَرِثُوهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ الْعَاصِ: عَوْرَةٌ مَكْشُوفَةٌ، وَبَقَايَا رِيحٍ تَزْكُمُ الْأُنُوفَ!!!!
الْآنَ بَابُ الْمَنْدَبِ يَلْتَحِقُ بِهُرْمُزَ، وَ"تَلُّ عَلِيٍّ الطَّاهِرُ" فِي جَنُوبِ الصَّبْرِ يُصَافِحُ "أَمَرْلِي الصُّمُودِ"، وَسَيَأْتِي الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تَرْفْرِفُ فِيهِ رَايَةُ الْحَقِّ بِيَدِ أَمَلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ، وَيَدْخُلُ مَكَّةَ فَاتِحًا، وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا.
وَقْتَهَا تَصْدَحُ الْآيَاتُ:
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا جَآءَ نَصرُ ٱللَّهِ وَٱلفَتحُ (1) وَرَأَيتَ ٱلنَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفوَاجٗا (2) فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَٱستَغفِرهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَا (3)
صدق الله العلي العظيم
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!