RSS
2026-09-10 08:56:39

ابحث في الموقع

العراق.. دولة نفطية ثرية ومواطن فقير يبحث عن راتب

العراق.. دولة نفطية ثرية ومواطن فقير يبحث عن راتب
يعيش العراق لحظات حرجة على المستويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية حيث هناك عجز مالي مزمن وتهاوٍ في قيمة العملة وتفشي الفقر والبطالة والفساد والنهب المنظم لثروات الدولة والتي تقدر بتريليونات الدولارات، والاعتماد شبه الكلي على الخارج في تموين الأسواق المحلية بالسلع الحيوية من أغذية وأدوية ومشتقات وقود، والاعتماد كذلك على الغاز المستورد في توليد الكهرباء والذي يؤدي قطعه إلى نشر الظلام في ربوع البلاد، رغم إنفاق العراق نحو 80 مليار دولار على قطاع الكهرباء منذ عام 2003، إضافة إلى تردي الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء والمواصلات العامة والاتصالات وغيرها من الخدمات المرتبطة بالمواطن.

بل وصل الأمر بالسلطات العراقية إلى تبني خطط للتوسع في الاقتراض وبيع أصول الدولة وتقليص أعداد الموظفين والتقشف وضغط النفقات العامة والاستغناء عن جيش المستشارين لمواجهة الأزمة التي تكاد تعصف بالاقتصاد العراقي وأشعلت شرارة احتجاجات شعبية في بغداد وعدد من المدن والمحافظات للمطالبة بصرف الرواتب والمستحقات المالية المتأخرة وطيّ أزمة توفير رواتب الموظفين.

معضلات كبيرة وأزمات معيشية متلاحقة ومشاهد معقدة باتت مألوفة في دولة نفطية وثرية، بل بالغة الثراء إذا ما تمت مقارنتها ببعض الدول النفطية في منطقة الخليج أو العالم، ورغم ذلك تعجز الحكومة العراقية عن تدبير احتياجات الدولة وفي مقدمتها تغطية الرواتب الحكومية وأجور العاملين في أجهزة الدولة للشهر الثاني على التوالي، علماً بأن هذا العجز يتكرر عند حدوث مخاطر جيوسياسية في المنطقة كما يجري حالياً، أو تراجع حاد في سعر النفط كما جرى في أعوام سابقة منها 2022 و2020.

وإذا كانت حكومة بغداد تتحجج بأن الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز وتراجع الصادرات النفطية والعقوبات الأميركية هي أسباب تقف وراء الأزمة المالية الحالية التي تمر بها البلاد، فماذا عن الثروات الضخمة التي يمتلكها العراق والتي تبعثرت بسبب الفساد المالي والنهب وتهريب الأموال إلى الخارج طوال السنوات الماضية وفي الفترات التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003 وسيطرة الأحزاب على المشهد الاقتصادي والمالي، بل وقيام نخب حاكمة ومسؤولين كبار بتهريب مليارات الدولارات للخارج، ونهب ما تبقّى من ثروات البلاد.

الأرقام تقول إننا لا نستطيع حصر مظاهر الثراء التي تتمتع بها دولة العراق نظرا لضخامتها سواء على مستوى الموارد الطبيعية والثروة الزراعية والمواد الخام القابلة للتصنيع والتصدير أو الاستخدام المحلي في الصناعة وغيرها، ولدى الدولة كميات ضخمة من منتجات الطاقة بأنواعها المختلفة سواء نفط أو غاز.

والتقديرات غير الرسمية تشير إلى أن العراق يصنف على أنه تاسع دول العالم في امتلاك الموارد الطبيعية غير المكتشفة، ويمتلك ثروات تُقدَّر بأكثر من 15 تريليون دولار، ويُعد من أهم الدول المنتجة والمصدرة للنفط في العالم، ويمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي مؤكد في المنطقة، يقارب 150 مليار برميل، واحتياطات غاز تضعه في المرتبة الـ13 من الاحتياطي العالمي، وهناك كميات ضخمة من المعادن في الصحراء الغربية والغاز الطبيعي والغاز المصاحب وحتى الأراضي الصالحة للزراعة.

وبالتالي نظرياً، نحن أمام دولة تفوق ثرواتها إمكانات دول خليجية عدة، بل وتكفي ثرواتها لأن تضع المواطن العراقي في مرتبة متساوية مع مستويات دخول مواطني الدول الثرية سواء كانت نفطية مثل قطر والنرويج أو مالية مثل سويسرا وسنغافورة ولوكسمبورغ.

لكن على أرض الواقع فإننا أمام شعب عراقي فقير يبحث عن لقمة عيشه، ومجتمع ضعيف تعشش به أزمات الجوع والعشوائية والاحتكارات وفوضى الأسواق، فالحكومة التي أعلنت قبل أيام على لسان وزير النفط العراقي باسم محمد خضير رفع الطاقة التصديرية لتتجاوز 3 ملايين برميل يومياً مع بداية أيلول 2026، وأن لديها خططاً لمضاعفة هذا الرقم، باتت غير قادرة على سداد التزامات الدولة من رواتب وأجور واستثمارات وتوفير الخدمات الحيوية للمواطن من مياه وكهرباء وتطوير البينة التحتية.

على مدى سنوات طويلة تعلن الحكومات العراقية المتعاقبة عن خطط لإنعاش الاقتصاد المعتمد كلياً على النفط وتنويعه وازدهار حياة المواطن، بل وإنشاء أول صندوق ثروة سيادية يمول من فوائض الإيرادات النفطية والموازنات المالية، لكن تمر السنوات وتفشل تلك الحكومة في تكوين تلك الفوائض النقدية وحتى حاجز مالي متماسك ومصدات تمنع الانهيار الاقتصادي، بل وصل الأمر بالحكومة إلى العجز عن سداد الرواتب، وربما في وقت لاحق تغطية أعباء الديون المحلية القياسية والتي تخطت قيمتها حاجز الـ 73 مليار دولار.


المصدر: العربي الجديد
كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!