RSS
2026-09-08 09:37:20

ابحث في الموقع

التزام الدولة بالمقابل شرطاً لمشروعية فرض التكاليف العامة

التزام الدولة بالمقابل شرطاً لمشروعية فرض التكاليف العامة
بقلم: د. علي هادي عطيه الهلالي - عميد كلية القانون / جامعة بغداد

هل يُعدّ التزام الدولة بفرض التكاليف العامة استناداً إلى القانون وحده عملاً دستورياً، ومظهراً من مظاهر سيادتها الداخلية؟

لا تلتزم الدول في الغالب بتخصيص حصيلة الجباية لوجه صرف معين يحقق غرضاً محدداً كالبناء والضمان الاجتماعي وجودة التعليم وغيرها، بما ينعكس على الخدمات والمنافع المقدمة لمن فُرضت عليهم التكاليف ولغيرهم ويستند هذا الاتجاه إلى ما استقر عليه جانب من الأدبيات المالية من أن الضريبة تُفرض من دون مقابل مباشر، ومن ثم لا يحق لمن أداها أن يحتج على الدولة بعدم حصوله على مقابل فردي مباشر نظير ما دفعه.

أن هذا التصور اعلاه يختلف عن بعض النظريات التي أقامت رابطة بين فرض التكاليف المالية وبين ما تؤديه الدولة من وظائف ومنافع عامة، ومن أبرزها الحكم الإسلامي للخراج، فضلاً عن بعض الاتجاهات الحديثة في المالية العامة التي قبلت فكرة تخصيص حصيلة بعض الضرائب لأغراض عامة محدد، لذا نجد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد اوجب على واليِه مالك الأشتر أن يجعل عمارة الأرض مقدمة على استجلاب الخراج، فقال: (( وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا )).

ويكشف هذا الحكم عن رابطة وثيقة بين سلطة الدولة في استيفاء الخراج وبين واجبها في إعمار الأرض والمحافظة على القدرة الإنتاجية للمجتمع فالعمارة في هذا السياق لا تقتصر على البناء والتشييد وإنما تمتد إلى ما تضطلع به الدولة من وظائف اقتصادية واجتماعية وخدمية تحقق المصلحة العامة.

لذا لم يكن مجرد استناد فرض الخراج إلى سلطة الدولة أو إلى واجب المكلف في الأداء كافياً لتحقيق مشروعيته بل اقترنت سلطة الجباية بواجب الدولة في تحقيق الغرض الذي يجعل المجتمع قادراً على الإنتاج والعمران والاستمرار في أداء التكليف.

ولكن لا يعني ما تقدم أن الخراج يمثل مقابلاً فردياً مباشراً يدفعه المكلف لقاء خدمة محددة يحصل عليها بذاته، وإنما يكشف عن مفهوم آخر للمقابل يمكن تسميته «المقابل العام للتكليف المالي» يتمثل في المنافع والخدمات والمصالح العامة التي تتحقق للمجتمع نتيجة قيام الدولة بوظائفها.

ويقترب هذا التصور من زاوية معينة من بعض الاتجاهات الحديثة في المالية العامة في أوروبا، التي لم تشترط وجود مقابل فردي مباشر للضريبة، لكنها قبلت في الوقت ذاته إمكان تخصيص حصيلتها لتحقيق أغراض عامة معينة، ويبرز في هذا المجال اتجاه القضاء الدستوري الألماني،فقد أكدت المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية في حكمها الصادر في 18 تموز 2018 إمكان تخصيص حصيلة الضريبة لغرض معين من دون أن يؤدي ذلك إلى فقدانها طبيعتها الضريبية، أي : إمكان وجود ما يعرف بالضريبة المخصصة كما أكدت المحكمة أن تخصيص الحصيلة لغرض عام لا يجعل الإنفاق الناتج عنها مقابلاً فردياً للمكلف.

 وفي فرنسا، أخذ النظام المالي بفكرة الضرائب والرسوم المخصصة، حيث يمكن أن تخصص بعض الإيرادات الضريبية لتمويل جهات أو أغراض عامة محددة، من دون أن يعني ذلك قيام علاقة مقابلة فردية بين الضريبة والخدمة المقدمة للمكلف.

أما في إيطاليا، فقد عرف النظام المالي فكرة تقييد بعض الإيرادات بوجهة إنفاق محددة وفقاً للقانون، بما يسمح بربط إيراد معين بغرض إنفاق معين، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تحويل الإيراد إلى رسم أو مقابل لخدمة فردية.

وتكشف هذه الاتجاهات عن إمكان التمييز بين المقابل الفردي الذي يرتبط عادةً بالرسوم والأعباء ذات الطبيعة المقابلة، وبين المقابل العام الذي يتحقق من خلال توجيه الموارد العامة إلى تحقيق المصالح والوظائف التي تضطلع بها الدولة، ومن ثم فإن القول بعدم وجود مقابل فردي مباشر للضريبة لا ينبغي أن يؤدي إلى إنكار كل رابطة بين التكليف المالي وبين واجبات الدولة تجاه المجتمع، فالضريبة قد لا تمنح المكلف حقاً في خدمة تعادل مقدار ما دفعه، لكنها تفرض في إطار نظام دستوري يفترض أن توظف الدولة مواردها في تحقيق المصالح العامة والقيام بالوظائف التي أوجبها عليها الدستور.

ومن هنا تبرز أهمية دور القاضي الدستوري في قراءة النصوص الدستورية بوصفها نسيجاً متكاملاً وعدم الاكتفاء بالنظر إلى النص الذي يمنح الدولة سلطة فرض التكاليف بمعزل عن النصوص التي ترتب عليها واجبات في مجالات الضمان الاجتماعي والصحي، والتعليم، وحماية البيئة، وتحقيق التنمية، وسائر متطلبات المنفعة العامة.

وعلى هذا الأساس لا يكون مبدأ قانونية الضريبة بمعنى صدورها استناداً إلى قانون، هو العنصر الوحيد في تقييم مشروعيتها الدستورية، وإنما ينبغي النظر كذلك إلى الغاية التي تستهدفها وإلى مدى انسجامها مع النظام الدستوري للحقوق والواجبات المالية والاجتماعية.

وفي الإطار العراقي تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء قانون الإدارة المالية الاتحادية الذي أخضع تخصيص المبالغ المالية لإطار الموازنة العامة بما يتيح للمشرّع أن يحدد من خلال قانون الموازنة، أوجه الإنفاق والتخصيصات اللازمة لتحقيق الأغراض العامة.

وعليه يمكن القول إن تخصيص حصيلة التكليف المالي للتعليم أو الصحة أو الضمان الاجتماعي أو غيرها من الوظائف الدستورية لا يمثل مقابلاً فردياً للضريبة، وإنما يجسد المقابل العام الذي تستمد منه الدولة مشروعية استمرار العلاقة المالية بينها وبين المكلفين.

أن استمرار فرض التكاليف المالية دون ارتباط حقيقي بالوظائف والغايات الدستورية للدولة يثير سؤالاً أعمق يتعلق بحدود السلطة المالية للدولة ومدى انسجام استعمالها مع حماية الملكية الخاصة ومبدأ العدالة الاجتماعية وتحقيق المصلحة العامة.

ومن ثم فإن المشروعية الدستورية للتكاليف العامة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد سلطة للدولة في الاقتطاع المالي تستمد مشروعيتها من القانون وحده، وإنما بوصفها علاقة دستورية متبادلة: تمنح الدولة سلطة فرض التكليف المالي، وفي المقابل تلزمها بتوظيف الموارد العامة في إطار الوظائف والغايات التي رسمها الدستور وبما يحقق المنفعة العامة سواء أكانت مخصصة أم غير مخصصة التي تبرر هذا الاقتطاع.

وبذلك يمكن تأسيس مفهوم «المقابل العام للتكاليف العامة» بوصفه مفهوماً متميزاً عن المقابل الفردي المباشر وقادراً على تفسير العلاقة بين سلطة الدولة في فرض التكاليف وبين واجباتها الدستورية وبخلاف هذا المقابل تصبح التكاليف والاعباء المالية عدواناً على الملكية الخاصة. 


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!